كنتُ مريضاً، استلقي على السرير يومي كلّه، وقد أبعد الأولاد عنّي خوف العدوى، إذ شخّص الأطباء المرض بأنّه «انصباب جنب»، إمّا سلّي أو سرطاني، وكانت دورة عجيبة على الأطباء، انتهت بالشفاء الكامل و«تيسّر على البيت لا نتمنى أن نراك لفترة طويلة».

خلال تلك الفترة، كنت أخطط لكتابة عمل روائي، وقد كان عنوانه حاضراً منذ بداية التفكير في كتابته، وهو «موجز تاريخ الباشا الصغير» وبقيت مخلصاً لهذا العنوان.
هكذا انخرطتُ في عملي الروائي المتخيّل، أضيف سطراً هنا، وكلمة هنا وأخرى هناك، ثم أحذف سطراً، أو صفحات بكاملها، ثم أعود لأضيفها مرّة أخرى، ثم أضع نقطة على السطر لأبدأ من جديد، إلى أن تعافيت وصرت أمشي بدون سعال، وبدون أن أتوكأ على الجدران، أو الجلوس على الأرصفة. وعندما استطعت أن أمسك بالقلم باشرت كتابة الرواية.

كتبت حوالى خمسين صفحة، وعندما أعدت قراءتها شعرت بتفاهتها وسقمها، وتمنيت أنيّ لم أكتبها، وأني لو بقيت على كتابة القصة القصيرة لكان ذلك أفضل لي. كنت أحصد الجوائز، وأتربّع على عرشها، وكنت أهتف في وجوه روّاد مقهى المثقفين في حلب، هل من أحد يكتب القصة القصيرة، إذا كان هناك من أحد فليتفضل ويلاقني، هنا على ساحتها، فلم يكن من مجيب.
بدأت القراءة منذ صغر سنّي، وما إن بلغت سن المراهقة حتى اكتمل عودي، توجهت إلى الأدب العالمي، ثم انتسبت إلى الجامعة لدراسة اللغة العربية، وبرعتُ في كتابة القصة القصيرة، حسب أقوال النقّاد حينذاك. وعندما أنهيت دراستي الجامعية، التحقت على الفور بالخدمة العسكرية الإلزامية. كان من حسن طالعي أن اتسلم المكتبة في مركز خدمتي.


رحت أنهل من عوالم أعرفها جيداً بجرعة من السخرية عن بشر مهمومين وما فعلته مافيا الفساد بأحلام هؤلاء المحزونين

مكتبة ضخمة بكتب منوّعة، رحتُ ألتهم محتوياتها بالتسلسل، رفّاً وراء آخر. لم يكن الأمر يتعلّق بقتل الضجر كما بدا لي للوهلة الأولى، إنما إغواء القراءة لترميم ما فاتني في الشعر والقصة والرواية وعلم الاجتماع. لكن هذا المخزون المعرفي لم يقدني إلى دروب الرواية بسهولة، حتى أنني أيقنت باستحالة الإمساك بنسيجها المتشابك ومفاتيحها السريّة، أنا الذي وطّن نفسه على كتابة القصة القصيرة. مفاجأة ليست في الحسبان أعادتني إلى فضاء الرواية مجدّداً، إذ أعلنت مجلة «الناقد» البيروتية عن مسابقة للرواية العربية، فقررت أن أشارك مستنجداً بمسودة روايتي التي أهملتها قبلاً. لم أجد بما كتبته ما يغويني لاستكمالها على النحو الذي بدأت به لجهة اللفظ والأسلوب والدلالة.
كان عليّ أن أتحرّر مما يعيق مخيلتي في اقتحام المناطق الشائكة، فمزّقت المسودة تماماً، وانخرطت في مناخات جديدة، أنهل من عوالم أعرفها جيداً بجرعة من السخرية عن بشر مهمومين وما فعلته مافيا الفساد بأحلام هؤلاء المحزونين. كنت أراقب وأكتب بحمّى خشية أن يداهمني موعد تسليم المخطوط قبل أن أنتهي من كتابته. خلال بضعة أيام على الانتهاء من تقديم النصوص، كان عليّ أن أطبع ما كتبته بخط اليد على الآلة الكاتبة. يومها لم يكن عندنا كومبيوترات، ولا محمول، لم يكن عندنا سوى الآلة الكاتبة. جمعت الأوراق وجلدتها، ثم أرسلتها إلى عنوان المجلة في لندن، كي أدخل المسابقة. أيامها، لم يبق على نهاية المسابقة سوى يوم واحد، اتجهت نحو مبنى البريد، ثم أرسلت المغلّف، ولم أغادر المكان إلا بعدما تأكدت من ختم البريد على الإرسالية.
خلال انهماكي في الكتابة، أزحت عملي بالتدريس جانباً، وذهبت إلى نبش حياتي الخاصة وتجاربي الحياتية الصاخبة، ومعرفتي العميقة بالقاع الحلبي، فقد كنت واحداً من ثمانية عشر نفراً يجتمعون على مائدة الطعام، فانسللت من بينهم لأتعلم وأكتب وأحيا. وأعتقد أن أغلب الروائيين الذين كتبوا عن حلب لم يعيشوا تفاصيل نسيجها ولم يلتقطوا نبضها الحقيقي. أما أنا فقد وجدت نفسي حافياً في أزقتها، ومغامراً في ليلها وهارباً من قوانينها الصارمة. كانت «أناي» تهيمن على شخوص الرواية بأقنعة مختلفة. عموماً كانت كلّ الشخصيات هي «أنا»، فمرّة أكون رجلاً مسيطراً، ومرّة أكون امرأة تعشق وتحبّ وتموت حباً، مستثمراً خبرتي الشخصية في تشريح الشخصيات وأهوائها ورغباتها.

ذهبت إلى نبش حياتي الخاصة وتجاربي الحياتية الصاخبة، ومعرفتي العميقة بالقاع الحلبي

بعد طول انتظار، أُعلنت نتائج المسابقة في المجلة. كان خبراً صاعقاً أن أجد اسمي بين الفائزين الخمسة. دخلت مقهى المثقفين كالفاتحين، وأنا ألوّح بنسخة من مجلة «الناقد». وكان قد سبقني إلى هناك صديقي الروائي محمد أبو معتوق الذي فاز هو الآخر بالمسابقة نفسها عن روايته «شجر الكلام». هكذا اتخذنا ركناً خاصاً في المقهى يليق بروائيين مرموقين. مرّت فترة أخرى في انتظار أن تنشر الروايات الفائزة، إلى أن تسلمت نسخة من الرواية جلبها لي الشاعر لقمان ديركي من دمشق. تصفحتها بلهفة وغبطة، ووجدت على الغلاف الأخير كلمة بتوقيع زكريا تامر بوصفه أحد أعضاء لجنة الحكم، وقد جاء فيها «رواية تتصف بجرأتها شكلآً ومضموناً، وتكشف ألواناً شائقة من حياة اناس البيئة الشعبية ومعاناتهم. وهي تلغي بكثير من العفوية والحذق الفني الحدود بين العديد من العوالم، عالم الأحياء وعالم الأموات وعالم التخيل، وتقدم هذه العوامل في عالم واحد يمتلك القدرة على التعبير عن مأساة الإنسان المحكوم عليه بالعيش في الأدغال البشرية. والرواية ملأى بالسخرية المرّة الأصلية والهجاء اللاذع لكلّ ما هو مهين للإنسان وحقوقه، وتدلّ على اطلاع عميق وواسع على الحياة اليومية في الحارات الشعبية الدنيا، كما تدل على موهبة حقيقية واثقة بعطائها».
حينذاك أعلنت نفسي روائياً لا يشق له غبار. حجزت مقعداً في المقهى بوصفي كاتباً مكرّساً، يعلو ولا يعلى عليه، ورحت أكلّم جلسائي بتؤدة وهدوء، معتبراً نفسي مسؤولاً عن كل كلمة أقولها. أمشي بهدوء، وأتكلم بهدوء، وأضب نفسي بهدوء، لقد أصبحت روائياً تجلس فوق أكتافي الكرة الأرضية، بكلّ ثقلها وخيباتها، لقد انهزمت من الحياة، وأصبحت أرتب نفسي كي أكون روائياً يطبع عمله الأوّل في دولة أوروبية. لكن هذه البهجة لم تدم طويلاً، فقد مُنعت الرواية من التداول في سوريا بفتوى رقابية، على أن هذه الصفعة المبكرة لم تجهض أحلامي الروائية اللاحقة.