الرابع من شباط، اليوم، هو الذكرى العشرين للكارثة الجوية والعملياتية الأسوأ في تاريخ الجيش الإسرائيلي. حصل ذلك عام 1997: مروحيتان تابعتان لسلاح الجو الإسرائيلي، محملتان بجنود من ألوية النخبة ــ ناحل وغولاني ــ وآخرين من سلاح المدرعات ووحدات أخرى، كانتا في طريقهما إلى مواقع الاحتلال في الحزام الأمني بجنوب لبنان.


قبل ثوانٍ من اجتياز الحدود الدولية مع لبنان، اصطدمت الطائرتان إحداهما بالأخرى فوق سهل الحولة، شمال فلسطين المحتلة؛ سقطت الأولى على منتجع في مستوطنة شآر يشوف، والثانية في سهل مفتوح قرب مستوطنة دفنا. أسفرت الحادثة عن مقتل 73 عسكرياً إسرائيلياً، هم ثمانية طيارين، 47 مجنداً وثمانية عشر ضابطاً، أعلاهم رتبة قائد كتيبة برتبة مقدم.
تعاملت إسرائيل الرسمية مع الحادثة بوصفها كارثة قومية، أُعلن على اثرها يوم حداد وطني؛ ففيها خسر الجيش دفعة واحدة عدداً من الجنود يوازي متوسط خسائرة خلال أربع سنوات من القتال في منطقة الحزام الأمني. لكن على المستوى الشعبي، تحولت «كارثة المروحيات» إلى حدث تأسيسي، أطلق سلسلة من ردود الفعل، أدت بعد نحو ثلاث سنوات إلى انسحاب جيش الاحتلال من جنوب لبنان. بدأ الأمر مع «حركة الأمهات الأربع»، التي انطلقت على إثر الحادثة وتشكلت من أمهات إسرائيليات يخدم أبناؤهن في جنوب لبنان، فطالبن بخروجهم من هناك. خلال سنوات، تحول رأي الحركة، الذي شكل أقلية وسط الجمهور الإسرائيلي، إلى أكثرية. وتربط الرواية الإسرائيلية تناميها بـ»حادثتين قاسيتين إضافيتين»: كمين أنصارية ليلة الخامس من أيلول 1997، الذي أدى إلى مقتل 12 من جنود الوحدات الخاصة، ومقتل العميد إيريز غرشتاين، قائد قوات الاحتلال في لبنان، جرّاء تفجير عبوة ناسفة زرعتها المقاومة على طريق مرجعيون حاصبيا في 28 شباط 1999. في الانتخابات الإسرائيلية التي كانت مقررة في أيار من العام نفسه، كان الانسحاب من لبنان أبرز الناخبين بالنسبة إلى المتنافسين. إيهود باراك، رئيس حزب العمل في حينه، والمرشح لمنصب رئاسة الوزراء، تبنّى مطلب الانسحاب، وتعهد بتنفيذه خلال عام من انتخابه، الأمر الذي شكل سبباً رئيسياً لفوزه بحسب المراقبين. في أيار 2000 وفى باراك بوعده لناخبيه.


لم تنجح لجنة
التحقيق في التوصل إلى نتائج واضحة حول أسباب الحادثة


عن تلك الفترة، تقول صحيفة هآرتس: «لقد كانت تلك حرب استنزاف غير قابلة للحسم ولا تنطوي على انتصارات بطولية. وكلما ازداد القلق والخوف وسط الجمهور الإسرائيلي حيال الخسائر المتراكمة في القتال، والتي لم تكن كبيرة بالمقاييس العسكرية، ازداد تحصّن الجيش الإسرائيلي داخل مواقعه». ترى الرواية الإسرائيلية الرسمية أن إحدى نقاط الضعف لجيش الاحتلال في جنوب لبنان كانت حركة القافلات المتجهة نحو المواقع العسكرية. هذه القافلات كانت تقلّ الجنود ذهاباً وإياباً، وكذلك التجهيزات العسكرية والتموين، وكانت تتحرك في طرقات معروفة ومحددة، ما جعلها هدفاً سهلاً ومجدياً بالنسبة إلى المقاومة. ومع الوقت، بذل جيش الاحتلال جهوداً كبيرة لمعالجة هذا التهديد، كان من بينها تصفيح الآليات، شق طرقات بديلة أمام القافلة، تأمين الطرقات بجدران إسمنتية، وغير ذلك. بحسب «هآرتس»، أُطلِق على عملية التحصين الأخيرة للمواقع الإسرائيلية بجدران إسمنتية في لبنان «اسم يدعو إلى السخرية، هو جدران الأمل». لكن كل ذلك لم يحل دون تعرض قوات الاحتلال للاستهداف المباشر من قبل المقاومة وإيقاع خسائر في صفوفها، الأمر الذي دفع قيادة الجيش إلى اعتماد النقل الجوي للجنود كإحدى الوسائل الآمنة لتبديلهم.
كان من المقرر أن تنطلق مهمة نقل البديل إلى موقعَي الدبشة وقلعة الشقيف مساء الإثنين، 3 شباط 1997، لكن الظروف الجوية السيّئة تسبّبت في تأجيل المهمة إلى اليوم التالي. أقلعت مروحيتان من طراز CH-53 من قاعدة تل نوف الجوية باتجاه مطار روش بينا المحلي، في الجليل الأعلى، حيث أقلتا 65 جندياً وضابطاً وانطلقتا عند الساعة 18:48 كلٌ نحو هدفها. بعد دقيقة من الإقلاع، طلب قائد السرب من غرفة الرقابة الجوية إعطاء الإذن بعبور الحدود اللبنانية، لكن تحصيل الإذن تأخر بضع دقائق، فطلب المراقب الجوي من المروحتين أن تنفذا طيراناً دائرياً بانتظار الإذن. عند الساعة 18:56 أبلغ المراقب طاقم المروحيتين بإذن العبور. ثلاث دقائق، بعد ذلك اختفت المروحيتان عن شاشة الرادار.
لجنة التحقيق التي شكلها وزير الحرب في حينه إسحاق مردخاي، لم تتمكن من الوصول إلى نتائج واضحة بشأن أسباب اصطدام المروحيتين. خلاصة التحقيقات أظهرت أن الاصطدام حصل أثناء تبادل المروحيتين لمكانيهما في إطار مناورة نفّذاها للتثبت المتبادل من إطفاء الأضواء قبل اجتياز الحدود. وبعد فحص كافة المعطيات التقنية والبشرية والجوية، واستبعاد كل الاحتمالات ذات الصلة، خلصت اللجنة في 17 نيسان 1997 إلى النتيجة الآتية (ضمّنتها في تقريرها النهائي): «رغم الجهود التي بذلتها، لم تنجح اللجنة في التوصل إلى نتائج واضحة حول أسباب الحادثة. الثواني الأخيرة التي سبقت الاصطدام ستبقى لغزاً. للأسف، ضحايا الكارثة أخذوا معهم حقيقة ما حصل إلى عالمهم، علماً بأن ثمة أرجحية عالية لكونهم فوجئوا ولم يدركوا ما حصل».
لكن اللجنة أصدرت توصيات تقنية وشخصية، أطاحت بموجبها ضباطاً في سلاح الجو من مناصبهم ووبّخت آخرين. وبعد نشر التقرير، نفذت مجموعة من عائلات قتلى الحادثة احتجاجات ضد الجيش بذريعة أن التحقيق لم يكن كاملاً، وذلك بعد أن تبيّن أن المروحيات كانت تحمل مواد متفجرة مجهّزة للتفجير الذاتي، هدفها تدمير الطائرة في حال سقوطها داخل أراضي العدو. في أعقاب ذلك، صدرت أوامر بعدم تحميل هذه المواد أثناء عمليات نقل القوات.