قبل الحديث عن دونالد ترامب، ربما كان يجب الحديث عن بيل كلينتون. عن بداية «خطاب» ديموقراطي بالصعود، وعن نزوله إلى الهاوية. الهاوية ليست ترامب، لكنه تمثيل معقول للهاوية التي وصل إليها الحزب الديموقراطي، لا بالضرورة أميركا. الجملة الأخيرة تنطوي على حد كبير من المبالغة. ليس تحرش كلينتون بمونيكا لوينسكي، حادثة بلا دلالات، لكنها ليست السمة الأساسية لعهده، إنها «السمة المتداولة إعلامياً» لعهده. في الواقع، وبالنسبة إلى كثير من الأميركيين، السمة الأساسية هي سياساته الاقتصادية، وتبعاتها التي ظهرت في أميركا بعد ما عُرف بالأزمة العالمية المالية.
نتحدث عن أنساق شائكة متعلقة بالإدارة «الديموقراطية» للأزمة، التي اعترض الأميركيون عليها بـ «ترامب سابق» هو جورج بوش الابن. واختراق أوباما لهذه القاعدة، يدخل في حسابات أخرى. ولكننا نتحدث عن «أزمة» طويلة الأمد، وعن متضررين أساسيين من الأزمة الناتجة من السلوك الاقتصادي للحزب الديموقراطي، وهذا ليس تفصيلاً بالنسبة إلى الأميركيين. أخيراً، قرر هؤلاء التصويت ضدّ الأزمة، من دون اهتمام بطبيعة «الأزمة» التي ينتخبونها، أو إن كانوا يستبدلون أزمة بأخرى، في محاولة لتصدير هذه الأزمة إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية.

المؤكد أنّ ثمة أسباباً ممكنة لفهم وصول ترامب. وهي، في الواقع، أسباب عدم وصول هيلاري، أكثر من كونها عدم وصول ترامب. أسباب كثيرة لا يمكن إحصاؤها، ولا يمكن المثقفين الذين يواجهون ترامب اليوم تجاهلها. نتحدث عن أصوات الريفيين وسكان المدن الصغيرة، ضدّ أصوات سكان المدن الكبيرة والسواحل الذين تتصدر كاليفورنيا واجهة اعتراضهم حالياً. إنه تصويت ضدّ «الدولة العميقة»، التي وجدت نفسها خارج اهتمامات الجماهير، وإن كانت تمثّل مناطق تعرف انفتاحاً يتيح لها الحديث عن قضايا إنسانية معاصرة.


شرخ في المجتمع الأميركي سيكون
له تأثير عظيم
بالعالم

والغريب أنّ مثقفي أميركا، والعالم، لا يعترفون بأن خسارة بيرني ساندرز، هي التي مهّدت الطريق لفوز ترامب، نظراً إلى استحالة قدرة هيلاري على إقناع العمال بالوقوف إلى جانب مصالحهم، بين سلسلة مطالب أخرى.
في الأساس، نتج من الأزمة المالية «اختفاء» عدد كبير من الوظائف، وتالياً تعطّل حيوات أصحابها، إضافة إلى خروج مؤسسات تجارية ضخمة من الولايات المتحدة الأميركية نفسها. نتحدث عن طبقة من العمال، قوامها البيض، عموماً، وهي التي خاطبها ترامب منذ البداية، وهي التي تشعر بأنها المتضررة الأولى من «الأزمة». ومَن يعرف أميركا، يعرف جيداً، أنّ وصول ترامب ليس «صدمة» كبيرة. هذا ما يمكن تفسيره، باستنفار الإعلام الأميركي غالبه، بالترويج ضدّ ترامب. وبمعزل عن دور الإعلام وما ستثبته الدراسات لاحقاً، عن دور السلوك الإعلامي الأميركي في وصول ترامب، أو في «عدم وصول» هيلاري، فإن وجود حملة إعلامية مضادة لترامب، يدل على شيئين: الأول، هو افتراض سطحي، لكن ضروري، مفاده أن ترامب يشكل حالة استثنائية، تستدعي الاعتراض والتحذير. أما الدلالة الثانية، فهي شعور منتجي الرأي العام، أو الذين يصنفون على أنهم مثقفون من خارج الاستبلاشمنت، بأن ترامب قادر على الوصول، وأن الخطاب الشعبوي الذي يفتقر إلى الحيلة ويتسلح بالوضوح الساذج، قد يكون أنجع من «حركات» الديموقراطيين التي جرّبها الأميركيون، وخاصةً «العمال البيض». هذه الطبقة، التي يمكن الافتراض أنها وسطى، ومشكَّلة من البيض، أو من «البيض الأنغلوساكسونيين البروتستانتيين»، ترى أنها خسرت امتيازات في العصر «الديموقراطي» لمصلحة المهاجرين اللاتينيين الذين هم من أصول افريقية. والطبقات الأخيرة، في الأساس، تعاني من ظلم النظام الطويل.

طبقة ترى أنها خسرت امتيازات في العصر «الديموقراطي» لمصلحة المهاجرين



نتحدث ــ عرضاً ــ عن خطابين: الأول، خطاب مثقف ومتعال يحذر الأميركيين من الشعبوية. والثاني خطاب ترامب البسيط، لكنه يصدر عن رجل نموذجي بالنسبة إلى فئة من الأميركيين، بنت تقاليدها وثقافتها على حسابات وقواعد رأسمالية. فئة قد تؤمن بليوناردو دي كابريو وكايت وينسلت وبالـ «أميركان دريم». لا يعني ذلك أن الانتخابات الأميركية كانت حصراً صراعاً بين خطابين، وأن خطاب المثقفين كان خارج الصراع، في أميركا وحول العالم. لكن السؤال الإعلامي الذي يطرح نفسه: هل واجه الإعلام الأميركي والمثقفون الأميركيون حملة ترامب بالأدوات المناسبة؟ بكلمات أخرى، هل سدوا الثقوب أم أنهم أسهموا ــ عبر تبنيهم الخطاب المائع التقليدي للحزب الديموقراطي ــ في السماح لترامب بفتح فجوة كبيرة بينهم وبين «الرأي العام» المشار إليه خرج منها منتصراً؟
مع ذلك، يمكن القول إن التشابه بين «شعبوية» ترامب (ظاهرة سياسية تتناسل في العالم عموماً) و«الفاشية»، هو تشابه يحرّك شهية المثقفين في العالم للاعتراض، والتحذير من تجاوز حالة ترامب وتحوّلها من حالة اعتراضية لدى طبقة معينة من الأميركيين، إلى شرخ كبير في المجتمع الأميركي، سيكون له تأثير كبير بالعالم. تحذيرات تختلف في طبيعتها بين مثقف وآخر، وبين أميركي وأوروبي، وما إلى ذلك. لقد فتح ظهور ترامب على مسرح العالم سجالاً، لا أحد يمكنه تخيّل نهايته.