تتصرف معظم المعادن بحسب قانون «وايدمان-فرانز» الذي يحدد علاقة مباشرة بين خاصية إيصال الحرارة وخاصية إيصال الكهرباء. ينطبق هذا القانون على كل المعادن والمواد التي نستعملها في حياتنا اليومية، فعلى سبيل المثال يعتبر النحاس والحديد والألمنيوم والفضة وغيرها موصلات جيدة للكهرباء والحرارة، لذلك تصنع منها الأسلاك الكهربائية، وترتفع حرارتها بشكل سريع عند تسخينها وتنتقل الحرارة من طرف إلى آخر تلقائياً.


أما العوازل، أي المواد غير الواصلة للحرارة كالخشب والبلاستيك وغيرهما، تمنع انتقال التيار الكهربائي من طرف إلى آخر كما تمنع أيضاً انتقال الحرارة، بحيث يمكن أن يتم تسخين طرف منها دون أن تتغير حرارة الطرف الآخر. تتلازم هذه الخصائص في كل المواد، مع استثناءات قليلة لمواد مركبة لها خصائص مميزة ومختلفة على درجات حرارة شديدة الانخفاض وقريبة من الصفر المطلق.
لكن المفاجئ كان أن العلماء اكتشفوا أن «ثاني أوكسيد الفاناديوم» (VO2) يمتلك هذه الخاصية الغريبة وغير المألوفة على درجات حرارة عادية تقارب السبعين درجة مئوية على مقياس «سلسيوس»، أي على درجات حرارة طبيعية. ينافي هذا الاكتشاف قانون «وايدمان-فرانز»، وله تفسيرات علمية جديدة توصل إليها الباحثون، إذ يسمح بتطوير مواد ذات خصائص فيزيائية جديدة وذات تطبيقات مفيدة. وهناك خصائص أخرى غير اعتيادية معروفة عن هذه المادة الجديدة، حيث أنها تتصرف كمادة شفافة وعازلة تماماً تحت 70 درجة مئوية، وكمعدن موصل فوق هذه الحرارة. لكن مع الاكتشاف الجديد، يتبين أن لهذه المادة ميزاتها عندما تكون في حالة الموصل، حيث يبلغ عامل (coefficient) توصيل الكهرباء بالنسبة إلى عامل توصيل الحرارة عشرة أضعاف ما يجب أن يكون عليه بحسب القانون السابق المذكور.


الإلكترونات في ثاني أوكسيد الفاناديوم لا تتحرك بصورة منفردة وعشوائية بل تنتقل ككتلة مترابطة


لماذا هذه الخصائص؟

تتميز المعادن بوجود «الكترونات حرة» (free electrons) ذات ارتباط ضعيف بمداراتها حول نواتها، ما يجعلها سهلة الحركة في محيطها القريب. تعتمد خاصية إيصال الكهرباء على إمكانية حركة الالكترونات ذات الشحنة الكهربائية السالبة عند وجود حقل كهربائي حولها، فتتحرك بأعداد هائلة مولدة ما يسمى بالتيار الكهربائي. تتوفر هذه الإلكترونات الحرة في المعادن فتتميز بأنها ناقلة جيدة للكهرباء. أما الحرارة فهي مرتبطة بالطاقة الناتجة عن حركة هذه الإلكترونات العشوائية واصطدامها ببعضها فتنقل خلال الاصطدام العشوائي طاقتها الحركية إلى الالكترونات المجاورة تدريجياً بحيث تصل الطاقة إلى الإلكترونات البعيدة فترتفع حرارتها، لذلك تكون ناقلة جيدة للطاقة والحرارة. وما لاحظه العلماء أن الإلكترونات في مادة ثاني أوكسيد الفاناديوم لا تتحرك بصورة منفردة وعشوائية، بل تنتقل ككتلة مترابطة كما تفعل جزيئات السوائل، بعكس الالكترونات الحرة في المعادن. هذا التصرف يبقي على إمكانية نقل الكهرباء متوفرة، حيث تتحرك كتلة الإلكترونات معاً وتنقل التيار الكهربائي، لكن حركة الإلكترونات الفردية التي تؤدي إلى اصطدامها ببعضها بشكل عشوائي في المعادن تغيب هنا بسبب حركتها المترابطة فتتراجع إمكانية تصادمها مع بعضها بشكل كبير، وعليه تضعف قدرتها على نقل الطاقة الحركية من كل إلكترون إلى جيرانه بعشرة أضعاف عن المعادن المألوفة. بروز هذه الخصائص على درجات حرارة عادية يجعل من هذه المادة ذات إمكانيات عملانية كبيرة بعكس المواد الأخرى التي يمكن إنتاجها وتطويرها بخصائص مشابهة لكن على درجات حرارة شديدة البرودة (أقل من 200 درجة تحت الصفر) ما يجعلها غير مجدية للاستعمالات اليومية.

تطبيقات محتملة

يمكن التحكم أكثر بخصائص هذا المركب بعد إدخال مكونات جديدة عليه مثل مادة التنغستان (Tungsten) التي تساهم في تعديل بعض الخصائص الفيزيائية، وهو ما يتيح رفع أو تخفيض درجة الحرارة التي تنتقل فيها هذه المادة من حالة العازل إلى حالة المعدن، كما يمكن أيضاً التحكم بنسبة توصيل الحرارة بالنسبة إلى نسبة توصيل الكهرباء في حالة المعدن والتي تبلغ 10% من معدلها المتوقع. ونتيجة لذلك، يمكن تكييف خصائص ثاني أوكسيد الفاناديوم بحسب حاجة استعماله وظروفها. تبرز التطبيقات الأساسية في تصنيع نوافذ زجاجية مغلفة بهذه المادة بحيث تقوم بالتصرف كعازل قوي عند انخفاض حرارة الجو، فتحفظ حرارة المباني، وكموصل كفوء عند ارتفاع الحرارة مما يساعد على التبريد. بهذا المعنى، ولأنها مادة شفافة، يمكن استعمالها مع الزجاج لخلق نظم حفظ وتبريد طبيعية دون استعمال المكيفات الكهربائية. كذلك من الممكن أن تستعمل في الأدوات الإلكترونية التي تتعرض لحرارة مرتفعة نتيجة التشغيل الكهربائي الطويل، وللتحكم بكمية الطاقة التي يراد الاحتفاظ بها أو التخلص منها في المولدات. وبهذه الخصائص، من الممكن تطوير تطبيقات تعزز من كفاءة الترانزيستورات التي تتحكم بالتيار الكهربائي في الدوائر الإلكترونية. وتبرز في الأفق إمكانية استعمال الطاقة المهدورة نتيجة سخونة المعدات لإعادة إنتاج طاقة كهربائية من جديد ما يوفر من كميات استهلاك الطاقة في هذه الأدوات.
مع نشر هذا البحث وتطوير الفهم العلمي لهذه الخصائص، تصبح مرحلة دخول الابتكارات التكنولوجية غير بعيدة المتناول ومن الممكن خلال سنوات قليلة البدء بالاستفادة من هذه الخصائص في تطبيقات حياتية يومية.




ما هو الفاناديوم؟

الفاناديوم هو معدن فضي اللون، قاسٍ وطيّع يتوفر بكميات قليلة في طبقات الأرض ويستعمل اليوم كمادة إضافية تمزج بنسب صغيرة مع الفولاذ وتكوين خليط معدني لتحسين صلابته. يتفاعل مع الأوكسيجين ويتأكسد من خلال عدة تفاعلات كيميائية، ويصنع منه ثاني أوكسيد الفاناديوم.