في مناسبة عيد الحبّ، ستُعرض أوبرات «حيزية» في قسنطينة. كالعادة، الحبّ في الجزائر لا يحضر سوى بصيغة الماضي، فقصّة حيزية تعود إلى منتصف القرن التّاسع عشر، حين وقعت حيزية، الشّابة الصّحراوية، في حبّ «سْعيد»، ورفض والداها تزويجها منه. هكذا فرّت من خيمة عائلتها، وذهبت إلى خيمته، متخفيّة في زيّ فارس ملثمّ، لم يتعرّف إليها، فأطلق عليها رصاصة وقتلها، لتنتهي أشهر قصّة حبّ، في بلد المليون ونصف مليون شهيد.


قصّة صارت مملّة، من كثرة تكرارها، في المسارح والتّلفزيون، رّغم أنّ الذّاكرة الشّعبية تحتفظ بقصص حبّ، أكثر حميمية وواقعية منها، مثل قصّة «نور العين وعبد الغرام»، التي رسمها إيتيان دينيه في إحدى لوحاته، أو «نجمة» كاتب ياسين.
لكن مجرد أن نتذكّر عيد الحبّ اليوم في الجزائر، فإن الأمر يختزن شجاعة، فالوضع العامّ لا يسوده سوى ما يُخالف الحبّ، وما يتعارض مع نوايا العشّاق، من توسّع الغلوّ في الدّين، وهيمنة خطاب المساجد على الحريات الفردية في المجتمع.
من المفارقة أنّ الجزائري كان يعيش الحبّ ويُجاهر به، سنوات العشرية السّوداء في تسعينيات القرن الماضي، يوم كانت تقطع الرّؤوس، و«النّاس يموتون كالذّباب» كما يقول المثل الشّعبي. أمّا اليوم، فقد صار يخجل منه، أو يُمارسه في الخفاء. في سنوات الحرب، كان صوت الشّاب حسني (1968-1994) مثلاً يرتفع عالياً، ليحكي قصصه العاشقة، وتجارب أشخاص يشبهونه. كانت أغانيه عن الحبّ تُشرّع المُحرّم وتبيح الممنوع، وتمنح الجزائري مساحة للأمل والحلم، ورغبة ملّحة في الخروج من قبضة التزّمت الدّيني. كان – حينها – الحبّ سبباً كافياً لنحيا، على العكس مما هو حاصل الآن.


أغنية «الرّاي» كانت دائماً تعيد الجزائري لذاكرة الحبّ

علاقة الجزائري المضطربة مع الحبّ ربما تعود إلى الكليشيهات التي يصنّعها عن علاقته بالآخر، والتّخيلات التي يجعل منها قناعات، فالحبّ ليس بالضّرورة نزهة صيفية، بل هو أيضاً درس في السّادية، قد يبدأ الحبّ من لحظة إيمان بالخلود، وينتهي بقطيعة، لكنه، في كلّ الحالات، سيستمر مع النوستالجيا. الحبّ ليس خلاصاً بقدر ما هو مصيدة، وسبب مضاعف للشّعور بالوحدة والفراغ.
أغنية «الرّاي» ـ حتى وهي تمرّ اليوم بفترات صعبة ــ كانت دائماً تعيد الجزائري لذاكرة الحبّ. مغني الرّاي لم يكن قطّ يخجل من صفته كعاشق مُطلق، مجنون ومتيّم بالأنوثة وبالجمال، مصرّ على تجديد عواطفه وتكرار خطاياه وخياناته، مع الرّجوع مراراً إلى من يحبّ، بما يتّفق مع تعريف ابن حزم الأندلسي للحبّ: «أوّله هزل وآخره جدّ».
مع ذلك، الجزائر بلد طارد للعشّاق، هكذا كان وما زال، لا يحتمل النّظر في عشيقين يمسكان بيدي بعضهما، أو يتبادلان قبلات سريعة، في حديقة عامّة أو على سلالم عمارة متهاوية.
قبل خمس سنوات، حاولت مجموعة من الكتّاب الشّباب أن يجعلوا من جسر تليميلي، في وسط الجزائر العاصمة، توأماً لجسر العشّاق، في باريس، اختاروا المكان لما يحمله من رمزية، فهناك ألقت الشّاعر صافية كتو (1944-1989) قصائدها، وهوت منتحرة، ومثلها انتحر شباب آخرون، بعد فشلهم في تجارب حبّ. تجمّع مارّون حولهم وعلّقوا أقفال حبّ، لكن سرعان ما واجهوا رجل الدّين المتشدّد عبد الفتّاح حمداش الذي جمع حوله مريديه، وجعل من جسر العشّاق منبراً لخطب الموعظة المحرّمة للحبّ.
بين انتعاش التّدين المجتمعي، البطريركية، وخجل الجزائري المُبالغ فيه، يفقد عيد الحبّ، تدريجاً، خصوصيته، يصير لا حدث، وكلّ محاولات تذكّر المناسبة ذاتها ليست سوى محاولات نفخ روح في جسد محتضر. وليس للعشّاق الحقيقيين سوى الاكتفاء بعرض يتيم، لأوبرات حيزية المكرّرة، وأن يتذكروا أن بلدهم كان يوماً ما في أحسن حال، قبل أن يحتل الدّين مكان العقل فيه.