«إنّها الحرب، الرجال بحاجة للجنس والنساء بحاجة للمال» بتلك البساطة، يختصر فيلم cold mountain الطريقة المثلى التي تمضي بها سنوات الحرب. الحب غائب، ما يدفعنا للاعتقاد بإمكانية حلول مشاعر أخرى مكانه. لكن، هل ثمّة في الدنيا ما يحلّ مكان الحب؟! بديل الحب هو الفقدان.


وهل يصلح الفقدان، بذاتهِ، لأن يكون مصيراً مقابلاً لكائن هادر مثل الحب؟ أفكر وأنا أمشي قرب سور مدرسة جول جمال، بعدما خرجت من المنزل إثر اعتكاف لأيام طويلة. إذ، علامَ أخرج منه؟ علامَ أدفع نفسي إلى مواجهة الناس الذين أرهقتهم أزمنة القتل التي لا تعرف أن تنتهي. وكيف أصون عزلتي، فقداني الخاص، في وجه تلك الصرامة الحارقة للفقر، أكثر أشكال الفقدان جاذبيّة. إنّه فقدان الأسلوب، وفي الكتابة يشبه فقدان الشكل؛ أن يزخر المرء بعواطف شاسعة لكن حاجاته تأسره. الفقراء هم أهل الحبّ. لكنهم لا يجيدون التعبير عن ذلك الكائن الأناني، المغرور والمتطلّب والمزهو بنفسهِ. ما يجعلهم يعتقدون بحتميّة خسارته، لكنه في الحقيقة يُدفن في قلوبهم. إنّه عالمهم الناصع ويكاد يكون ثروتهم الوحيدة. في حقيقتهم، يكسرون عنفوان العاطفة ويجعلون من الفقدان آلية للتعاطي مع الأشياء. فقدان غير مكتفٍ بذاتهِ، وإنّما متشعّب فيما يحيط بهم ومتداخل في فهمهم للوجود. يجعلون من الفقدان ثقافة، كأن تصير يد من نحب التعريف المثالي للفقدان. ما أن تلمس ركناً حتى يفتقدها دائماً، وما أن تلمسنا حتى ترهننا إلى حاجة دائمة!


يزعم نيتشه أنّ الحب محض طبيعة، ساخر وغير بريء

منذ مدة، سألتني صديقة في معرض نقد لاذع: «وهل تكره أحداً؟». بالطبع أكره أولئك الذين لا يجيدون التعبير عن عواطفهم أو يعجزون عن المنح متى ما امتلأت قلوبهم بالعاطفة. الذين يفجرون الينابيع ثمّ يكبتون دفقها، أي شيء يبقى من المُحبّ؛ إن لم يصير تعابير حرة ولمسات وضحكات وقبلاً جامحةً وضمّات وروائح وغرائز معافاة؟ أكرههم لأنّني لا أجيد شعور الشفقة، ولا أجد بديلاً للشفقة سوى الكراهية. فما بالكِ بعاطفة مؤسسة على الشفقة؟ تلك أعتى أشكال الجحيم. وكان كونديرا قد بنى عليها روايته الأثيرة «خفة الكائن التي لا تحتمل» أجمل رواية قرأتها في حياتي. طالما الحديث الآن عن الحب، لماذا لا أذكر الكتب التي أحبّها أيضاً؟
كذلك أحب الطريقة التي يقول فيها ملحم بركات «من بعدك لمين، لمين الزهر بينحني وبتشرق لمين، لمين شمسك يا دني؟» ويطلب صديقي أن أغيّرها بعد سماعها مرات كثيرة. فأضع مكانها Dance me to the end of love ثم أبدأ بالغناء برفقة ليونارد كوهين ليغادرني الصديق من فورهِ. بعدما جعلته يكره الأغنيتين. الأصدقاء يغادرون دائماً، لكن الأغنيات ترافقنا. إنّها أكثر أشكال الحب استقراراً.
يزعم نيتشه في كتابه «قضية فاغنر» أنّ الحب محض طبيعة، ساخر وغير بريء. لكن في زماننا القاسي، بتنا ننتظر منه أن يكون فوق الطبيعة. كي لا نختبر الخسارة. ما دفعنا إلى خسارته ذاته. إذ بتنا ننتظر من الكائن الأعجوبة أن يكف عن كونهِ ذاتياً. في حين، تبدو الطريقة المستحيلة ليبقى ذلك الأناني بيننا، هو التخلّي عن فكرة التمّلك، أن ننزع عنه أنانيته. أن نحب الأشياء دون الهوس بتجريبها، وأن نحب الأشخاص دون الهوس بتخريبهم، وفق معنىً ما. أن نحب مثل السرقة عن الأسطح. خطفاً، ودون قدرة على التشبّث بالحب بتعريفه موقفاً إزاء الوجود. لأنّنا محاصرون بفقدان دائم، إلى درجة تفقد معها المواساة مبررها.
يذكر نيتشه أثناء توصيفه للحب الذي يكون، حرباً في وسائلهِ، صرخة دون خوسيه في نهاية أحد أعمال فاغنر:
«أجل أنا الذي قتلتها،
كارمن، معبودتي كارمن»
ويعتبر نيشته أنّ فاغنز بذلك، مثل كثيرين، يعبّرون عن فهم خاطئ للحب. يعتقدون أنّهم لا أنانيين في الحب، لأنّهم يضعون نصب أعينهم مصلحة كائن آخر على حساب مصلحتهم غالباً. غير أنّهم يريدون مقابل ذلك أن يمتلكوا ذلك الكائن الآخر. ويتساءل عن فهمهم للقول التالي: «إن كنت أحبّك، فأي شيء يعنيك في ذلك؟».
أن تحب دون أن تقول شيئاً مختلفاً، لأنّ الحب بذاته هو الاختلاف. أن يكون الحب شأناً طبيعياً، أن تحب مثل حيوان في الغابة، أن تقول غزلاً فاحشاً. أن لا تأسر من تهواه في عالمك، أن تتركه حراً في تنهداته وحراً في إشراقاتهِ. في النهاية، ماذا يكون الحب سوى الحرية الخالصة؟