لا يمكن أن يكون الحديث عن اقتراب الوصول وإعلان وضع خطة مستدامة لحل قضية النفايات صحيحاً. على الأرجح، نحن ــ في أفضل تقدير ــ أمام خطة طوارئ جديدة. كذلك لا نتوقع استبدال الخطة الطارئة الحالية قبل عمرها الافتراضي (أربع سنوات)، مع العلم بأن من أهم صفات خطط الطوارئ أن تكون سريعة، ومتسرعة في الغالب، في حين أن الحلول المستدامة تحتاج إلى وقت لإنضاجها.


بعض الخبراء يرى أن الموضوع، أو الحل، هو مجرد خيار تقني، ويقيسون استدامة الخيارات بعمر التقنيات. كمثل القول إن عمر مطمر للنفايات يراوح بين عشر وخمس عشرة سنة، بينما العمر الافتراضي للمحرقة بين 20 و25 سنة! بينما يذهب آخرون إلى خيار تحويل النفايات إلى طاقة، أو تحويل بعضها إلى وقود بديل لأفران شركات الترابة... إلخ. صحيح أن كل هذه الخيارات وغيرها الكثير، موجودة في الكثير من بلدان العالم، ولكن في معظم هذه البلدان استراتيجيات أيضاً تبرر كل خيار وتحدد المعايير والشروط والأولويات. ولعل أهم هذه المعايير هو الاستدامة. لكن الاستدامة في هذا المجال لا تعني استدامة تقنيات معالجة النفايات، بل استدامة الموارد والمواد التي تصنع السلع والبضائع التي تتحول إلى نفايات، ودراسة دورة حياتها من المنبع إلى المصب (عندما تتحول إلى نفايات)، قبل التصنيع وفي أثناء التصنيع وفي أثناء الاستهلاك (وبعده) وكلفة المعالجة... وإدخال كل ذلك في تحديد سعر السلع أولاً، وكلفة المعالجة بعد تحولها إلى نفايات ثانياً. كذلك تشمل معايير الاستدامة مدى تناغم التقنيات والخيارات مع دورة الحياة الطبيعية الدائرية، لا الخطية (كما في الأنظمة التصنيعية المسيطرة). لذلك، كل ما يحكى اليوم عن خطط لمعالجة النفايات، ما هو إلا صراع بين أصحاب مصالح، بين شركات تتبنى تقنيات معينة وتتحالف مع خبراء وسياسيين وجمعيات تسمى «بيئية»، وتتنازع على «سوق» معالجة النفايات في لبنان. وهي نفسها التي تتحرك بين الوزارات ومع النواب والبلديات واتحادات البلديات وتوزع الأرقام والإغراءات التقنية طمعاً بالتزامات هنا وهناك، مستغلة ضعف الدولة عموماً، وضعف وزارة البيئة التاريخي خصوصاً. وقد استفاد أصحاب المصالح كثيراً من حالة الفوضى الناجمة عن تعثر الدولة في إيجاد بديل لمطمر الناعمة منذ عام 2006 والـ 2010 والـ 2015 من جهة، وعلى ضعف وتورط بعض الحراك «البيئي» من جهة أخرى... وخيضت حروب استخدمت فيها كل الأسلحة، بينها الجمعيات ومن يُسمَّون «الناشطين»، والقضاء، بطرق غير مباشرة، والإعلام المفتوح والمتنافس في استغلال الفراغ والفساد السياسي... حتى أضاع الجميع البوصلة، وانتقلنا من خطة طوارئ كان لها شروطها الفنية المقبولة (مطمر الناعمة)، إلى خطة طوارئ جديدة (برج حمود وكوستا برافا) بالغة السوء، ولا تراعي أي من المعايير الفنية ولا معايير إدارة حالات الطوارئ أو الكوارث!


علينا أن نعيد ربط قيمة المنتجات والبضائع، ليس مع العمل البشري وقوته فقط، بل مع «عمل الطبيعة» أيضاً

يحكى اليوم عن العودة إلى البحث في خطة عام 2010 لحكومة الرئيس الحريري، التي تعتمد على خطة معامل عام 2006 في المناطق، وعلى محرقة (التفكك الحراري) في العاصمة وضواحيها، بينما تدبّ الفوضى مع كثرة السماسرة والمشاريع لاعتماد المحارق الصغيرة في أكثر من منطقة! وإذ لا حاجة إلى البرهنة أن العودة إلى الخطط السابقة لا تتصف بالاستدامة، يمكن القول أيضاً إن المعايير والحجج المعتمدة لتبرير هذه الخيارات، غير كافية إذا لم تكن من ضمن استراتيجية متكاملة، تأخذ بالاعتبار مبادئ التخفيف أولاً. فلا يكفي اليوم أن نقول إن مشكلة المكان هي المشكلة الرئيسية لإيجاد الحلول، وأن لا أمكنة للمعالجة في العاصمة وضواحيها، ولا في القسم الأكبر من جبل لبنان... إلخ. فهذا المنطق المتبع منذ عام 2010 لم يكن كافياً لكي نتقدم بالحلول، فما الذي تغير اليوم؟!
ثم أين مبدأ وحدة المعايير المطالب به في قانون الانتخاب، والذي لا تجري مقاربته في ملف النفايات؟ وأين المبررات الاستراتيجية والمبدئية لخيارات خطرة كهذه تدور حولها الكثير من علامات الاستفهام التي تطاول أكثر من جانب تقني وبيئي واقتصادي؟
انطلاقاً من ذلك، يمكن الجزم بأنه لن تصبح معالجة الموضوع جدية وتتصف بطابع الاستدامة، إلا إذا جرى تناولها من خلال ربطها بالنظام الاقتصادي والإنتاجي والتجاري والتسويقي المسيطر والمنتج لكل هذا الحجم الضخم من النفايات. وهذا يتطلب إعادة تقويمنا لقيمة المنتجات والبضائع التي تتحول إلى نفايات بعد إنتاجها وتسويقها واستهلاكها. فمع هذه الأزمات المتتالية والمستعصية في إدارة النفايات، يفترض البحث في الجذور. علينا أن نعيد ربط قيمة المنتجات والبضائع، ليس مع العمل البشري وقوته فقط، بل مع «عمل الطبيعة» أيضاً. بعد أزمة النفايات، لم تعد قيمة البضائع تتحدد فقط بمقدار العمل البشري وزمن العمل الضروري للإنتاج (البضائع). ولم يعد كافياً التركيز فقط على الذات العاملة واستبعاد الموضوع (الطبيعة ومواردها). وكأن الطبيعة مورد لا ينضب ولا قيمة لها. فكما يجب أن نسلّم بأن هناك قيمة لقوة الرأسمال ولقوة العمل البشري في إنتاج البضاعة، يجب أن نسلَم أيضاً بأن هناك قوة لعمل الطبيعة أيضاً. ويصبح السؤال عندئذ، كيف نحدد زمن العمل الضروري إيكولوجياً للمنتجات؟ أي الزمن اللازم لتكوين المادة الخام الداخلة في جسد البضاعة (الزمن الجيولوجي والحيوي)، والزمن اللازم لعودة المادة الخام المصنعة إلى حالتها الأصلية بفعل العوامل الإيكولوجية (زمن التدوير أو التحلل أو التلف). وانطلاقاً من تحديد الزمن الضروري إيكولوجياً، يمكن احتساب قيمة البضائع. وهذا يتطلب تغييراً جذرياً في كافة المفاهيم المتصلة بالقيمة، أي التغيير في القيمة التبادلية وعمليات العرض والطلب وتحليلات الكلفة والمنفعة وتقديرات الضرائب والمؤشرات الاقتصادية... إلخ.
لحل مشكلة النفايات إذاً، يجب تغيير بنية الاقتصاد التقليدي وأغلب النظريات الاقتصادية المنتصرة والمسيطرة التي لم تدخل الموارد الطبيعية وندرتها وإمكانية نضوبها أو تلفها أو تلويثها في حساباتها... وذلك قبل أن تبنى خيارات مثل حرق المشكلة أو طمرها. وللحديث صلة.