لا تملك بهية بعلبكي ترف اليأس. ابنة الـ64 عاماً تردّد دائماً: «محكومون بالأمل». الأستاذة في التعليم الثانوي الرسمي والنقابية على مدى37 عاماً عايشت النكسات كما الانتصارات، وفي كل مرة كانت تقول: «ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ».


فنكسة حزيران 1967 واستقالة الرئيس جمال عبد الناصر كوّنت لدى تلميذة المقاصد بداية وعي وطني وقومي عربي ورفض للواقع الذي كان يبدو مستحيلاً في ذلك الوقت. يومها، شاركت تلميذة البريفيه في أول تظاهرة رفضاً لاستقالة عبد الناصر، وأسست مع زملائها اتحاد طلبة المقاصد، فكانت بداية انخراطها في العمل الطلابي والوطني. لم تحمل بعلبكي يوماً بطاقة حزبية، إلّا أنها بنت أحلاماً كبيرة على الأفكار العروبية الناصرية.


لم تحمل بعلبكي بطاقة حزبية، إلّا أنها بنت أحلاماً على الأفكار العروبية الناصرية


في عام 1971، دخلت كلية التربية في الجامعة اللبنانية حيث حازت إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها وماجستير في تعليم اللغة العربية. وكانت الطالبة المتفوقة قد فازت بمنحة دكتوراه إلى جامعة كمبريدج، لكنها اعتذرت حينها عن قبولها لأسباب عائلية. تقول: «عشقت اللغة العربية منذ صغري، ووقعت في الحب منذ أول صف تعليم حيث حاولت أن أنقل شغفي إلى تلامذتي». تتذكر هنا ما قاله لها أحدهم «نحنا التلاميذ منطلع من صف لصف وانتو المعلمين بتضلوا بنفس الصف». فأجابته: «حتى لو درسّنا الصف نفسه، فكل سنة نعطيه بطريقة مختلفة وإذا لم نتجدد سنصدأ حتماً».
لم يكن مرور بعلبكي على كلية التربية عابراً، فقد انخرطت في كل الحراك الطلابي الدائر هناك. تستعيد بشغف ذكريات لها في «معمل الثوار ومصنع الشعراء»، أو هكذا تسمي الكلية التي «تحولت إلى منتدى مفتوح للعصف الذهني بين جميع مكونات المجتمع اللبناني». يأخذها الحنين إلى أول تظاهرة شاركت فيها للمطالبة بفتح الكليّات التطبيقية في الجامعة اللبنانية. يومها، أكلت نصيبها من الضرب بكعب البارودة وثماني غرزات في الرأس. لكن يعزيها أن الحلم تحقّق وافتتحت الكليات.
لم تكد الحرب الأهلية تندلع، حتى تطوعت في الإدارة والتدريس في المدارس والثانويات التي فتحتها اللجان الشعبية آنذاك على مدى عامين.
لتجربة بعلبكي النقابية حكاية أخرى، فقد انتخبت مندوبة لرابطة أساتذة التعليم الثانوي منذ عام 1979 وحتى تقاعدها في 2016، وفازت مراراً بعضوية الهيئة الإدارية للرابطة، وظلت لوقت طويل المرأة الوحيدة التي تشارك في صنع القرار النقابي. تصف بعلبكي رابطة الثانويين بأكثر رابطة ديموقراطية لجهة النقاش الداخلي بين مكوناتها «حيث كان رأينا مسموعاً دائماً، وإن كان صوت الرجال يعلو في كثير من الأحيان»، تقول مازحةً. رغم ذلك، استطاعت بعلبكي أن تضغط باتجاه تمثيل المرأة في الهيئة الإدارية والذي وصل خلال وجودها في الهيئة إلى 33 %. في الانتخابات الأخيرة، تراجع التمثيل.
عملت بعلبكي مع اللقاء الوطني للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة حيث نجحت في إنجاز القانون المتعلق بالمساواة بين الموظف والموظفة في تقديمات تعاونية موظفي الدولة وحق توريث التعويض والراتب، وحقّ الموظفة في التعويض العائلي، والمساواة في التنزيل الضريبي وغيرها.
وفي أثناء توليها الشؤون التربوية في الرابطة لمدة 12 عاماً، رفعت بعلبكي الصوت عالياً لتكون الرابطة مشاركة في صنع القرار التربوي، «فكان رأي الرابطة ينتظر ويحترم، ولما كان المسؤولون لا يأخذون برأينا كنا ننشر موقفنا من كل قضية تربوية في الإعلام». أشرفت على تحضير خمسة مؤتمرات حول المناهج التعليمية والتقويم التربوي وتعزيز الملاك الرسمي والامتحانات الرسمية، وساهمت في نشر خمسة كتب عنها للرابطة. وقدمت دراسات في ندوات في منظمة الأونيسكو باريس وفي مؤتمر مونتريال للدولية للتربية حول المساواة في التعليم. عملت بعلبكي منذ 2004 مدرّبة في إطار مشروع التدريب المستمر للمعلمين والمعلمات التابع للمركز التربوي للبحوث والإنماء. وفي جعبتها، نحو 107 دورات تدريبية. كذلك التحقت بمديرية الإرشاد والتوجيه في عام 2012.
لن تتقاعد بعلبكي من التربية والتعليم، فهي بصدد إعداد موقع الكتروني «يثري اللغة العربية» يتناول التعليم والتدريب ويكون منتدى لتبادل الأفكار والخبرات والتثاقف بين المعلمين لتعميم الفائدة.
أما بالنسبة إلى المستقبل النقابي للرابطة - وبهية بعلبكي من مؤسسي "التيار النقابي المستقل" و"اللقاء النقابي التشاوري" - فتعود وتردد جملتها «ما في شي بيدوم، سيعود القرار النقابي المستقل إلى الرابطة ولن نسمح بتحويلها إلى اتحاد عمالي عام ثان». تردد مع غسان كنفاني: «الوطن هو ألا يحدث ذلك كله».