المشهد لم يكن مشرّفاً مساء الثلاثاء أمام مبنى تلفزيون «الجديد» في بيروت. وما حدث ليس مطمئناً إلى حال البلد والناس والسلم الأهلي، وحال الحياة السياسية والاعلاميّة، وحال الديمقراطيّة ودولة القانون.


ولعلّ «غزوة الجديد»، بما تنطوي عليه من خلفيّات وأبعاد ومستويات متشابكة، وبما تستبطنه من ملفات مغْفلة أو مسكوت عنها، وصراعات خفيّة أو معلنة… قدّمت لنا «صورة فوريّة» بليغة، لبلد يختنق شعبه تحت وطأة نظام طائفي مؤسساته منخورة، متآكلة. بلد ضربه الطاعون، كما ضرب أهل طيبة في التراجيديا الاغريقيّة، من جرّاء علاقات سفاح القربى بين السياسة والبزنس والاعلام. بلد يتخبّط في خضمّ الفوضى والاعتباطيّة وفقدان المعايير، في حالة من الضياع والجهل والعجز والتكاذب والتزوير، أولى ضحاياها المساكين والفقراء والشباب البائس… هؤلاء الذين رأيناهم، أوّل من أمس على الشاشة، يزمجرون ويشتمون ويتوعّدون بالويل والثبور…
«مش قصّة رمّانة قصّة قلوب مليانة» صرّح شربل خليل مقدّم «دمى كراسي»، البرنامج السياسي الساخر الذي أشعل فتيل الاعتداء السافر على مبنى المحطّة: غزوة بالهتافات والشتائم والحجارة والمفرقعات، لايف أمام الكاميرا، خلال نشرة الأخبار المسائيّة. القلوب المليانة قصّة شائكة، ليس الآن وقتها. فاللحظة تقتضي ادانة الاعتداء على الاعلام الذي لا يمكن تبريره على الاطلاق. لقد وقعت الواقعة بعد يومين على بثّ حلقة من برنامج الدمى المذكور، استعملت شوكة النائب السابق حسن يعقوب، وأكالت لطشات موجعة للرئيس نبيه برّي، ما تسمح به قواعد اللعبة في هذا النوع من البرامج. وإذا كان من طرف مغبون، فأمامه وسائل ديمقراطيّة عدّة لتصحيح الاساءة، كما نعرف! لكن لا، سرعان ما تحوّل الاعتصام السلمي في الليلة السابقة، الى حصار حقيقي لـ «الجديد»، واعتداء لفظي بالشتائم على رئيس مجلس ادارتها وشربل خليل، وتهديد العاملين فيها وجرح اثنين منهم، وعمليّة تخريب للممتلكات الخاصة، ومحاولة «اقتحام» المبنى. مشهد لا يخلو من السرياليّة الممزوجة بالقرف، أحسنت المحطة توظيفه واستعماله في لعبة «الاستعراض» التي يعشقها التلفزيون.
الكاميرا كانت مسلّطة من عل على ذلك النهر الذكوري الهادر: مجموعة شبان غاضبين، هم الضحايا الفعليون لنظام المحسوبيات والفساد، قيل لهم زوراً وتضليلاً إن المحطة أهانت رمزاً جليلاً هو الامام المغيّب موسى الصدر، فصدّقوا «عالعمياني» وهبّوا لغسل الاهانة في الشارع! هذا «عرضحالهم» في الحقيقة، وهذا انتقامهم الوحيد الممكن من ظلم لا يعرفون حتّى مصدره. ترى ما كان ليحدث لو اقتحموا المحطّة؟ ومن كان سيتحمّل المسؤوليّة؟ وما هو الدور الذي كان متاحاً للقوى الأمنية المختلفة أن تلعبه، لولا التدخّل المباشر لأعلى مراجع الدولة؟
في اللحظة التي يحاول فيها العهد الجديد أن يعيد الاعتبار إلى دولة القانون، ويفعّل المؤسسات كضمانة وحيدة لانبعاث الدولة، يأتي قطب أساسي من أقطاب النظام، هو أيضاً رئيس المجلس النيابي، ليقول لنا جميعاً: أنا أحدد قواعد اللعبة على طريقتي، وعلى الوزارات المعنيّة والجهات الأمنية والقضائيّة والسياسيّة المختلفة، أن تنصاع. ترى هل يمكن لهذا المنطق أن يساعد على اعادة بناء الدولة العادلة والحكم الشرعي والسلم الأهلي؟ هذا هو السؤال الأول الذي تطرحه علينا اليوم «غزوة الجديد». السؤال الثاني يتعلّق بآليات ضبط البزنس، والصفقات المتنازع عليها التي هي المحرّك الفعلي للصراع، في بلد يموت شعبه من الجوع بلا ضمانات ولا رعاية ولا خدمات ولا عمل ولا فضاء عام ولا مستقبل. تلك الحروب المكتومة من شأنها أن تنعكس على الاعلام عنفاً مافيويّاً قد يذهب ضحيّته، بنسب مختلفة، الاعلاميّون والمشاهدون وحتّى البلطجيّة أنفسهم… فجميع هؤلاء أدوات في صراع لا يمتلكون خيوطه! يبقى السؤال الثالث: أين الاعلام من كل ذلك؟ ما هي قواعده وشرعته الأخلاقيّة؟ هل يمكن لأهله أن يتضافروا ويتحدوا للدفاع عن مهنتهم وحريتهم وحقوقهم؟ أين المؤسسات التي تحمي المهنة، بقطاعاتها كافة، وتنظمها، وتنظر في تجاوزاتها، وتحاسب بشدّة كل محاولات الاعتداء عليها؟
في هذا السياق، جاء أداء عبد الهادي محفوظ، أول من أمس، ليزيد المشهد بؤساً وسرياليّة. فيما محطّة «الجديد» محاصرة، تتعرّض لاعتداء عنيف وخطير نتفرّج عليه مباشرة على الهواء على وقع تعليقات رامز القاضي النارية، طلع السيّد محفوظ ليقول للمذيعة داليا أحمد ما معناه: «لو انتبهتوا لحالكم ما كنّا وصلنا لهون!». نعم؟ إنت معانا والا مع التانيين؟ بهذه البساطة برّر رئيس «المجلس الوطني للاعلام» للعنف، واعتبره نتيجة منطقيّة لأداء المحطة. أي تبنّاه رغم استدراكه لاحقاً، وادانته العنف، ومحاولته الاختباء وراء الامام موسى الصدر الذي لا ناقة له ولا جمل في كل الحكاية.
ما قاله لنا عبد الهادي محفوظ، عن غير قصد، إنّه لم تعد هنالك حاجة إلى «المجلس الوطني للاعلام»، ولا إلى النقابات المهنيّة، ولا حتّى إلى القضاء… من الآن فصاعداً عندما يتعرّض أي منبر اعلامي بالنقد لشخصيّة نافذة، سينزل اتباعها لفرض العدالة وتحصيل حقوق الزعيم المفدّى بيدهم. إذا كان هذا موقف الشخص المسؤول عن حماية المهنة، والذي يمسك بيده آليات المحاسبة أيضاً (ولو صوريّة)، فماذا نترك للآخرين؟ كيف يمكن بعد اليوم أن نمارس مهنتنا وأساسها النقد الذي قد يكون قاسياً أو ساخراً حين تدعو الحاجة، من دون أن نخاف من تلك «العدالة المباشرة» التي لا تزعج كثيراً رئيس «المجلس الوطني للاعلام»؟
مع احترامنا لشخص عبد الهادي محفوظ (فالقضيّة ليست قضيّة أفراد في النهاية)، و«تفهّمنا لظروفه» كما حسمت داليا أحمد بالضربة القاضية، يأتي خطابه التبريري للاعتداء على «الجديد» الذي واصله على «الميادين»، ليضع الإصبع على الجرح. الاعلام اللبناني أيضاً بات مريضاً ومأزوماً، فاقداً لمشروعه وقيمه، ومحروماً من المؤسسات التي تؤطر اداءه تحت أعلى سقف حريّة ممكن. إن أي خطّة لانتشال لبنان من جحيمه الفظيع، لا تكتمل من دون قيام مؤسسات جديدة ناظمة لمهنة الاعلام، تمتلك صلاحيات تنفيذيّة واسعة. ولا بدّ من أن تتشكّل تلك المؤسسات على أساس الشفافيّة والاستقلاليّة والجدارة المهنيّة، بعيداً عن وصاية النظام الطائفي. وبعيداً عن منطق المحسوبيات والزبائنيّة الذي تقوم عليه حاليّاً كل مؤسساتنا ومرافقنا العامة. عندها سنتفادى أن يتحكّم «البارونات» و«الرعاع» بحريّة الاعلام.