تُراكم العولمة مقولاتها لمصلحة رأس المال في المقام الأول تحت يافطة «نقود تصنع نقوداً» بصرف النظر عن فكرة الدولة/ الوطن، أو عن طريق إطاحة الجغرافيا من الجذور بسطوة أسواق النقد. لن يجد ماركس مكاناً له في عربة «موت التاريخ»، إذ انمحت نظريته في وضح النهار أمام الواقع السحري للعولمة الذي قلّص الحدود والعوائق الجغرافية بفضل سيل التبادلات المتجاوزة للأوطان، والتحكّم عن بعد بالسلع والمعلومات والأفكار والبشر.
في كتابه «أنثروبولوجيا العولمة» (2008) الذي انتقل أخيراً إلى العربية (دار نينوى، ترجمة عبد الحميد بورايو)، يواجه عالم الإناسة الفرنسي مارك أبيليس أسئلة العولمة بأطروحات مضادة، بقصد تفكيك مفاهيمها وألغازها، وردم الفجوة بين المحلّي والمعولم، داعياً إلى أنثروبولوجيا منفتحة ونقدية على استعداد لأن تواجه بجلاء الاختلالات الجديدة للعالم.

المنظرون الماركسيون الجدد وجدوا الوصفة المناسبة لمفهوم العولمة بأنها «المرحلة الأخيرة من الرأسمالية». لكنّ آخرين ركزوا رؤيتهم على الأشكال الحديثة للتراكم أو على وجود «طبقة رأسمالية كونيّة» حيال كثافة السيولة وتسارع المبادلات. من جهته، يتساءل مارك أبيليس: عولمة أم تدويل؟ ثم يجيب: «ليس هناك نهاية للتاريخ» لعلها فترة مؤقتة، ولا بد من التكيّف لمواجهة خطر عولمة غير مراقبة تحمل سمات الليبرالية الجديدة. وسوف يجد المحتفلون بالآثار المفيدة للرأسمالية الكونية، فرصةً لاستثمار أشكال من الاستغلال الذي أصبح أكثر إتقاناً في سياق يكون فيه العمل الذهني في قلب إنتاج فائض القيمة، ونبذ مفاهيم «الرأسمالية العتيقة». هذه التحولات الاقتصادية المتسارعة ــ وفقاً لما يراه الأنثروبولوجيون ـ تعمل بجدّ على انهيار مفهوم الدولة، وفي أحسن الأحوال تتوقف فاعليتها على ما هو ثانوي، بتلاشي الحدود. ذلك أنّ الهجرات أنتجت أشكالاً جديدة من الثقافات المهجّنة في عالم جديد متحرّك لمصلحة «توطين النموذج» وتماشيه مع الرغبات المحليّة، وتالياً تقاسم التجربة رغم بعد المسافات، أو ما يمكن تسميته «تقصير الزمن وتضييق الفضاء».


الهجرات أنتجت أشكالاً جديدة من الثقافات المهجّنة


هذه التشاركية يمكن تعميمها على أنماط السلع أو على لعبة كرة قدم، أو حتى على حرب في مكان ما. لا تتوقف فاعلية العولمة على الواجهة الاقتصادية فقط. هناك أيضاً، البعد الثقافي كأرضية أساسية لإشاعة رؤية تنكر أشكال الاثنية المركزية وتقوم على الاجتثاث الثقافي بتمثّل ثقافة المركز والتشجيع على الانجذاب نحو أنماط من الغذاء واللباس والموسيقى. لم يعد مدهشاً إذا، أن تجد «الكوكاكولا» في أبعد قرية أفريقية، أو «مكدونالدز» في شنغهاي. وعلى هذا الأساس، فإن خطورة العولمة الثقافية أشدّ تعقيداً مما تظهر عليه للوهلة الأولى. فهي جوهرياً تعمل على «نزع الوطنية وإعادة التوطين» عن طريق التهجين والتوليف وتجنيس ثقافة جديدة تتلاءم مع المنظور ما بعد الكولونيالي للثقافات المحلية. انثروبولوجي مثل جورج ماركوس لا يكتفي بالفرجة على المشهد بوصفه نسخة نهائية، فالأنثروبولوجيا ليست فرعاً من فلسفة التنوير، هذا اختزال فاضح. الأمر يتعدى ترجمة ما يفعله (الآخرون) إلى الاعتناء بالوضعيات المحليّة التي تحيل بدون انقطاع على عالم معولم. نحتاج، وفقاً لتفسيره إلى «نظرة عالم الحشرات» في إعادة قراءة مفهوم التدفق، ودوران الصّور، ومظاهر التشتت، وآثار الهجنة والمزج، وتفسير ثنائية «تكنولوجيات على درجة عالية من التعقيد، ومجموعات مكانية على عتبة العوز». ولكن أين تتموقع الانثروبولوجيا في مواجهة المقاربات الوحشية لفكرة أفول الدولة/ الوطن؟ يشير مارك أبيليس إلى أنّ الحركية المتنامية لرؤوس الأموال حالت دون التوازن بين الدولة والسوق بضغوط متتالية تتعلق بخفض الضريبة والخصخصة واختلال سوق العمل. فالعولمة غيّرت قواعد اللعبة لمصلحة التبعية الاقتصادية وتحديد الهوامش التي تعمل فيها الدولة الوطنية. وإذا بنا حيال «سياسات ما فوق وطنية في إطار إقليمي» أفرزت عنفاً اجتماعياً أولاً، بتفكيك الأنسجة الثقافية التقليدية، وتعزيز ساحة معولمة تنتقل خلالها التدفقات الإرهابية بالتوازي مع كثافة المعلومات، بالإضافة إلى انبثاق انتماءات هويّاتيّة تتجاوز الإطار الوطني بوصفها مرجعيات ذاتية جديدة تؤكد على «حقبة ما بعد وطنية».
في هذا السياق، فإنّ أحد الآثار الكبرى للأنثروبولوجيا السياسية تتمثّل في نزع القداسة عن وجه الدولة، والتمييز بين «العيش بالسياسة» و«العيش من أجل السياسة»، وتالياً العمل على إنتاج رؤية عن الدولة من أسفل: «تبئير السياسي في بعده الثقافي»، ونزوع أصيل للعناية بالهامش أكثر من عنايتها بالمركز، عبر تسليط الضوء على مجتمعات اندمجت في دول/ أوطان. من ضفة أخرى، يربط هذا الأنثروبولوجي بين العولمة والعنف كترجيع للاهتزازات الاجتماعية، أو ما يسميه «اقتصاد العنف»، وشيوع فكرة «القنابل البشرية»، واستيقاظ النزوع العرقي عند المهاجرين... كل هذه الارتدادات للعروة الهوياتية أسهمت في تغذية العنف الخاص بالعولمة. لا يغفل صاحب «التفكير من خارج الدولة» الاهتمامات الأخرى للأنثروبولوجيا الراهنة، وخصوصاً ما يتعلّق بأثر الهجرات على مجتمعات ما بعد الحداثة وصيغ الاندماج في الفضاء العمومي، وكيفية التوفيق بين تنوّع الانتماءات الثقافية والانخراط في جماعة سياسية واحدة، منبهاً إلى عدم التمادي في المطابقة بين «المواطنة المرنة»، و«المواطنة المعولمة» التي ينزع بعضهم إلى ادعائها، وصولاً إلى الأسئلة الجديدة للمجتمع المدني، وانبثاق تحالفات صلبة عابرة للحدود تحت عنوان «المنظمات غير الحكومية» كحقل مساعدة ميدانية. إلا أن غياب المراقبة الديمقراطية عن عمل هذه المنظمات سبّب انحرافات صريحة لجهة الشفافية والشرعية التي تتمترس وراءها بشعارات برّاقة تتعلق بـ «اقتصاد البقاء»، واستثمار ما خلّفته العولمة من اختلالات جعلت مجموعات من البشر «مجرد حثالة تتقاذفهم الحياة السريّة ومخيمات اللجوء». عند هذا المنعطف يلتقي اقتصاد البقاء باقتصاد السوق أو الرأسمالية المعولمة.