في روايته الأولى، يتناول الكاتب والصحافي اللبناني سمير يوسف موضوعاً ظل مغبوناً في الروايات العربية، إذ احتل مكانة ثانوية رغم أهميته وحضوره الرئيسي في الحياة اليومية المحجوبة وراء الجدران والتقاليد والشرائع، والذي لا يجب أن يبقى محجوباً عن الأدب، وهو موضوع الجنس والعلاقات الجنسية.
«حروق الثلج» (دار الساقي)، هي إحدى الروايات الفائزة بمنحة «آفاق» لكتابة الرواية، تحت إشراف الروائي اللبناني جبّور دويهي، وقد عالجت هذا الموضوع بواقعية، بعيداً عن الانجرار إلى الابتذال والإثارة المجانية للغرائز. وفي موازاة «طرفيّة» الموضوع، فإن البيئة العكارية التي تجري فيها أحداث الرواية هي بيئة طرفية ليس في البلاد فحسب، بل في الرواية اللبنانية أيضاً. جوزيف، بطل الرواية، هو عنصر في قوى الأمن الداخلي يخدم في أحد المراكز الحدودية القريبة من قريته. يعيش نمط الحياة العسكرية الخالية من العنصر النسائي في العمل. وهو أصلاً شاب مدمن مشاهدة أفلام البورنو، يستيقظ من نومه في الليل ليشاهد فيلماً.

يستمني ليس أقل من ثلاث مرات يومياً، ويقوم بذلك حتى في محرسه، الذي تجمّعت وراءه كومة من المحارم. لا ينجح في إقناع خطيبته منال بإقامة علاقة يرغب فيها قبل الزواج. وفي المقابل، يخجل من استمراره في رفض مرافقة زميليه إلى الماخور القريب الذي يترددان عليه. يقبل بذلك تحت ضغط إلحاح رغبته في الجنس، المتأججة باستمرار. فتيات الماخور هنّ من اللاجئات السوريات المقيمات في مخيمات الجوار. ضحايا من نوع خاص للحروب القاسية، اضطررن إلى الاشتغال في هذا العمل بعدما هربن مع أطفالهن وأهلهم العُجّز، من دون رجالهنّ الذين أحرقتهم الحرب الجارية على الجانب المقابل من الحدود، من حيث يُسمع دويّ المعارك.


يطرق باب الكبت والعلاقات الجنسية

في هذا البيت أسفل الوادي، يلتقي جوزيف بليلى، اللاجئة ذات الجمال الفاتن، التي تذكره بممثلات البورنو. يصبح هاجسه أن يحصل على جسدها. وفي قرية قريبة من مركز خدمته، يتعرف إلى ماريا، وهي شابة فرنسية تزور قريته مع أبيها. يدخل جوزيف في علاقة سهلة معها. تلاحظ منال التغير الذي أصاب خطيبها، وتهرّبه من لقائها وانزواءه في غرفته حيث يشاهد المزيد من الأفلام. تعلم بتغيّبه عن مركز خدمته عندما يذهب لمقابلة ماريا أو إلى الماخور، فتفسخ خطوبتهما. ماريا تبتعد أيضاً عن جوزيف بعد قلقها من سلوكه معها في السرير، إذ سرعان ما تكتشف إدمانه البورنو من خلال الوضعيات التي يطلب منها اتخاذها في أثناء العلاقة. تنصحه بزيارة طبيب نفسي لتخليصه من سلوكه وإدمانه. ومع اقتراب رحيل ليلى من الغرفة التي تستأجرها في البيت ــ الماخور، ورفضها إعطاءه رقم هاتفها، يقرر أن يصور مضاجعته لها في السرير. هنا تبلغ الرواية ذروتها، ويكتشف جوزيف بشاعة الحياة التي انحدر إليها. تلاحظ ليلى انشغاله بهاتفه الموجود على الأريكة فتشكّ في الأمر، تسبقه إليه وإلى مسدسه المجاور له، وتبدأ بتهديده وإذلاله. تأمره بلبس «سترينغ» وصدرية من عندها، تصوره بهما وترسل الصور إلى خطيبته السابقة مسبّبة له فضيحة، جعلته يكره نفسه ويبكي لساعات، ثم يحرق الكمبيوتر والراوتر كي يبتعد عن البورنو. هكذا، بسبب الكبت الجنسي وطرق التعويض عنه بمشاهدة أفلام البورنو المتاحة بسهولة، تنجم عن العلاقات الجنسية نتائج عكسية، أشبه بالإصابة بالحروق من الثلج، مع وجود دراسات تشير إلى أن 88% من أفلام البورنو تحتوي على عدائية جسدية ضد المرأة، و45% منها على عدائية لفظية، وهو ما قد يسبّب مشاكل عند مدمني هذه الأفلام عند إقامة علاقة مع الشريك.
على الرغم من جودة الفكرة وجرأتها، كان يمكن الرواية أن تحفر بنحو أعمق في مواقف معينة، مثل اللحظة التي تأتي فيها منال إلى بيت جوزيف وهي سكرانة بعد انفصالهما، وتمزق ثيابها قائلة له أن يفعل ما يشاء بجسدها. كان يمكن الكاتب هنا أن يصف لنا هذا الجسد وردّ فعل جوزيف على انكشافه أمامه، وهو الذي سعى خلال فترة الخطوبة للحصول عليه من دون نجاح. كذلك كان يمكن أن ينفتح للرواية باب جديد، من خلال إلقاء المزيد من الضوء على الشخصية الملتبسة لليلى.