من المعروف أن التطور الطبيعي للجنس البشري يسير بوتيرة متغيرة حيث يمكن أن يكون أسرع أو أبطأ في ظروف طبيعية معينة، لكنه يستمر حتى لو ببطء شديد.


لكن من المهم الإشارة إلى أن الجنس البشري بعيد كلياً اليوم عن عملية "الانتقاء الطبيعي" التي تحصل تحت الضغط الذي يتهدد فصيلة أو نوع ما بالبقاء، مما يؤدي إلى القضاء الكلي على الجزء الأضعف من تلك الفصيلة التي لا تمتلك الجينات المناسبة للصمود، فتزول مع جيناتها الهشة من الوجود. فالظروف الطبيعية الخطيرة غائبة، وكذلك الأمراض التي كانت في الماضي تتهدد الجنس البشري برمته صارت غير ذات تأثير مصيري على وجوده اليوم، حيث يعيش الناس لأعمار متقدمة ويستمرون في الإنجاب مما يؤمن استمرارية الحياة وثباتها في يومنا هذا.

دراسات حديثة

من معالم التطور الحاصل في الجينات البشرية هي القدرة على هضم المكون الأساسي للحليب وهو اللاكتوز عند البالغين. إذ تشير الدراسات إلى أن هذه القدرة لم تكن موجودة قبل أربعة آلاف عام، وهي تطورت خلال بضعة مئات من الأعوام مع انتقال البشر إلى تربية المواشي والزراعة في القارة الأوروبية في ذلك الوقت مما أمن مصدراً إضافياً ومستداماً للتغذية حيث كان البشر في أمسّ الحاجة إليه.
ويشير الباحثون الذين نشروا دراسة حديثة حول استمرارية عملية التطور إلى تطورات جينية هامة حدثت عند الإنسان خلال القرون الماضية أهمها القدرة على مقاومة بعض الأمراض. فالملاريا مثلاً أبادت ملايين البشر قبل تطوير العلاجات وقبل تطور آليات المقاومة الذاتية عند البشر. كذلك تشير الدراسة إلى قدرة الإنسان على التأقلم على العيش مع مستويات منخفضة من الأوكسجين في المناطق ذات الارتفاع العالي، وهي ظاهرة حديثة نسبياً قياساً إلى عمر التاريخ البشري مع تنامي أعداد البشر في هذه المناطق، مما أدى إلى تكيف أجسادهم مع العوامل الطبيعية المحيطة. وذهبت إحدى الدراسات بعيداً في محاولة لإيجاد عوامل جينية لظاهرة انخفاض نسبة الولادات عند الفئات ذات التعليم العالي وهي ظاهرة معروفة ولها أسبابها الحياتية والاجتماعية. وركزت كذلك على معدل عمر الخصوبة لدى الفتيات وهو ما يمكن أن يؤدي طبيعياً وبيولوجياً إلى تأخير سن الولادة وبالتالي تخفيض عدد الأولاد. وقد وجدت الدراسة تغيرات جينية محدودة مرتبطة بعمر الخصوبة المتجه إلى الارتفاع لكن بوتيرة بطيئة جداً مما لا يعطي أدلة قاطعة على حصول تطور جيني نتيجة ظروف الحياة الحديثة رغم وجود مؤشرات ذات دلالة. ومما لا شك فيه أن ظروف الحياة المعاصرة أدت إلى حصول تغيرات كبيرة في أنماط الحركة وأنواع التغذية مع تضاعف كميات الكوليسترول والدهون المستهلكة في الأطعمة السريعة، لذلك تحاول الدراسات الحديثة إيجاد روابط بين هذه المستجدات الحياتية وبعض التغيرات الجينية إلا أن هذا البحث لا يزال في أول الطريق.

علامات التطور موجودة في جسم كل إنسان

لا داعي للبحث بعيداً عن إثباتات حسية لنظرية التطور الطبيعي، فجسم الإنسان يحوي الكثير منها. كانت أجساد أسلافنا مجهزة بالعديد من المكونات والأعضاء ذات الوظائف المحددة، ومع انتفاء الحاجة إليها أخذت بالضمور ولم يبق منها إلا آثار صغيرة. يمكن ملاحظة أوتار ذراع اليد التي تظهر فوق الشرايين، وهذه الأوتار لا حاجة لها في جسم الإنسان المعاصر حيث يمكن إزالتها من دون أية تأثيرات تذكر، وهو فعلاً ما يقوم به الجراحون عندما يحتاجون إلى زرعها في أماكن أخرى من الجسم. وجدت هذه الأوتار عند الكائنات التي تستعمل يديها للتعلق بالأشجار والتنقل فيما بينها بمرونة وخفة، وهو سبب وجودها الأصلي. مع تطور الإنسان إلى كائن يمشي على قدمين ولا يستعمل يديه لتلك المهمات، انتفت مهمة الأوتار وصغر حجمها وصار وجودها هامشياً لا نلاحظه إلا إذا قصدنا مراقبته بفعل فضولنا.


من معالم التطور الحاصل في الجينات البشرية هي القدرة على هضم اللاكتوز عند البالغين


كذلك الأمر بالنسبة إلى عضلات الأذنين، إذ لا زالت هذه العضلات موجودة عند الإنسان لكنها صغيرة وضعيفة ولا تستطيع تحريك الأذن بسبب عدم الحاجة إليها اليوم. يمكن ملاحظة هذه الخاصية عند معظم الحيوانات التي تستطيع تحريك أذنيها لرصد الأصوات بشكل لا إرادي.
أما العمود الفقري، فهو ينتهي بفقرتين كانتا تشكلان في السابق ذيلاً يمتد بشكل أطول عند الأسلاف ولم يعد موجوداً اليوم عند الإنسان رغم أن أولى فقراته ما زالت هناك دون أي وظيفة بيولوجية تذكر. ومن الظواهر الأخرى التي ترتبط بالتطور هي ظاهرة وقوف شعر الجسم عند شعور البرد أو الخوف، وهو تماماً ما تقوم به الحيوانات ذات الشعر الكثيف إذ تطلق وبرها إما للتدفئة أو لإظهار قوتها وكبر جسدها عند استشعار الخطر. مع زوال هذا الشعر الكثيف، لم يعد هناك حاجة لهذه الظاهرة عند الإنسان، إلا أنه لا يزال يحمل بعض جيناتها فيتفاعل الجسم لا إرادياً وتنقبض العضلات الدقيقة تحت الجلد ليقف شعر الجسم رغم أن لا حاجة ولا وظيفة له سوى ذاكرة جينية ورثناها عن أسلاف كانوا يحتاجون استعماله.

أخطاء شائعة في فهم نظرية التطور الطبيعي

تثير نظرية التطور الطبيعي انقساماً حاداً في الرأي العام بين مؤيد ومعارض. يعود ذلك إلى مفاهيم خاطئة سائدة حولها رغم أنها نظرية علمية تتضمن قوانين وافتراضات تم اختبارها وقياسها واعتماد استنتاجاتها في الأوساط العلمية، تماماً كنظرية الجاذبية أو النظرية الكهرومغنطيسية في الفيزياء، أي أنها نظرية علمية موثوقة تماماً كالنظريات العلمية الأخرى.
ومن المهم الإشارة إلى أن نظرية التطور لا تقول إن جد الإنسان الأكبر كان قرداً، بل تشير الدراسات إلى أن للقرود وللبشر سلف مشترك لكنه تطور باتجاهات مختلفة فنتج عن إحدى المسارات التطوريّة الإنسان الذكي، وعن مسار آخر القرود ولذلك تعتبر هذه الحيوانات الأقرب تكويناً وشكلاً للإنسان الحديث. ومن ركائز نظرية التطور هي عملية الانتقاء الطبيعي (natural selection)؛ علماً أن الانتقاء الطبيعي لا يحصل من أجل الأفضل بل هو عملية انتقاء عشوائي من ضمن الإمكانات الموجودة والمتوفرة والتي ينقرض أضعفها في ظل ظروف معينة عشوائية مرتبطة بعوامل خارجية ليبقى ما يستطيع التكيف تحت هذه الظروف المستجدة دون هدف محدد. ولو كان ذلك صحيحاً لاكتسب الإنسان في تطوره إمكانية "البناء الضوئي" (photosynthesis)، ولكان باستطاعته عند شعور الجوع أن يقف تحت ضوء الشمس كي يحصل على حاجياته من الطاقة تماماً كالنبات ولانتفت المجاعة والفقر، أو لكان طوّر إمكانات أخرى مفيدة نجدها لدى كائنات عديدة غير الإنسان. والتطور لا يحصل فقط على مستوى الأنواع، بل على مستوى كل من الأعضاء والوظائف البيولوجية. على سبيل المثال، تطورت العين البشرية من أعضاء بصرية أقل تطوراً موجودة ومنتشرة عند الكثير من الكائنات مثل الخلايا العصبية التي تتيح للرخويات تمييز الليل عن النهار. وفق هذا المفهوم وهذه المعطيات، نظرية التطور تنحصر وظيفتها في تفسير التغيرات في الأنواع مع مرور الزمن ولا تسعى لبحث ما سبقها. وتؤكد علوم الجينيات الحديثة صحة هذه التغيرات التي تحصل على المستوى الجيني أساساً.




تشارلز داروين


ولد تشارلز داروين في مثل هذه الأيام من عام 1809 وترك اختصاص الطب ليكرّس وقته لدراسة الأنواع البيولوجية والطبيعة نظرياً وتطبيقياً حيث جال في عشرات الدول حول العالم لمراقبة ودراسة الفصائل والأنواع فيها. توصّل بعد سنوات طويلة إلى تطوير نظرية التطور الطبيعي وتشعب الأنواع عن أصول سابقة مشتركة، وأن هذا التطور حصل عن أصل مشترك مع تباينات في طرق تطورها. وتمكن داروين من إثبات أن الصراع من أجل البقاء الذي يؤدي إلى فناء الأضعف وبقاء الأنسب في الظروف القاهرة هو العملية التي يحصل من خلالها التطور. تسمى هذه العملية بالانتقاء الطبيعي، وتعتبر نتائجه على الأنواع مماثلة "للانتقاء الاصطناعي" التي تستعمل لتطوير أنواع معينة من خلال التزاوج المخطط للقضاء على صفات معينة وتطوير صفات أخرى. إلا أن الانتقاء الطبيعي يحصل ضمن ظروف قهرية وعشوائية ويؤدي إلى حدوث قفزات نوعية في مراحل تاريخية معينة.