بدت سارميللا بوز، مديرة كلية الصحافة في «جامعة أوكسفورد»، مأخوذة بحضور الأستاذ محمد حسنين هيكل المشهد الافتتاحي لأول كلية تنتمي إلى صناعة الإعلام بأعرق الجامعات البريطانية.

بأثر مما قرأت وسمعت وتابعت غلبتها مشاعرها، كأنها لا تكاد تصدق أنه أمامها الآن.
عندما طلبت منه التقدم لإلقاء أول محاضرة تذكارية في الكلية الوليدة، التي نشأت بالتوافق بين «أوكسفورد» و«رويترز»، وصفته بـ «الأسطورة الحية».

قبل أن يصعد على منصة «أوكسفورد» وصفه اللورد كريستوفر باتن، رئيس الجامعة، المفوض الأوروبي الأسبق، آخر الحكام البريطانيين لجزيرة هونغ كونغ، وأحد الأركان الوزارية في حكومة مارغريت تاتشر بـ «أنه من عظماء الصحافة في نصف القرن الأخير»، ثم التفت إلى سارميللا بوز، قائلاً: «لم يسبق لأحد أن وصفني بالأسطورة الحية، رغم المناصب الكثيرة التي توليتها والأدوار التي قمت بها، لكنني الآن يمكنني أن أترك المنصة لأسطورة حية لتتحدث إليكم».
المشهد بمعانيه ورسائله محفوظ على شرائط.
كان ذلك في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٠٧.
مساء ذلك اليوم، ضمّ عشاء على الشموع في مطعم لندني ثلاثة رجال: اللورد باتن، وهيكل، وهنري كيسنجر.
لم يكن من عادته تناول طعام عشاء.
وقد دار حوار طويل بين الماضي والمستقبل في الشرق الأوسط، ما جرى وما قد يجري.
في ذلك العشاء، تساءل كيسنجر إذا كان ممكناً أن يضمهما مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، لقاء مماثل على ضوء الشموع، فالثلاثة من مواليد العام نفسه (١٩٢٣).
استغرب هيكل اقتراح كيسنجر، فمن القواعد الصارمة التي التزم بها ألا يلتقي إسرائيليين، رغم أنه منفتح على أي اتجاهات في العالم ولا توجد له عداوة مع اليهود كأصحاب ديانة سماوية.

(٢)


لم تكن صورته من بعيد تضاهي حقيقته الإنسانية.
هناك من تصوره إلهاً إغريقياً فوق جبال الأوليمب ينظر من فوق، يستكفي بإرث تاريخه ويستغني عن جديد عالمه، وأن ثقته في ما يكتب ويقول أقرب إلى النصوص المقدسة، وهذه أوهام لاحقت تاريخه، وكأي أوهام فإنها لم تكن صحيحة في أي لحظة.
في تسعينيات القرن الماضي رسمه الفنان جورج بهجوري كـ«آلة للتفكير بأسلاك متداخلة تنتج رؤى وسياسات».

في عام 2007، تساءل
كيسنجر إذا كان ممكناً أن ينضم هيكل إلى عشاء مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، فاستغرب الأستاذ الاقتراح، إذ أن من القواعد الصارمة التي التزم بها ألا يلتقي إسرائيليين


الصورة ــ أحياناً ــ أقوى من الحقيقة بالاعتياد، أو بالتقادم، لكن حسه الإنساني كان أكثر رهافة من صور أسلاك متداخلة لعقل يفكر طوال الوقت دون توقف أو راحة.
لم يكن عصياً على الذين اقتربوا منه أن يلحظوا دون عناء ذلك المزيج في شخصيته من تقاليد التهذب البريطاني وخفة الظل المصرية، لا تند عنه كلمة خارجة، ولا يتصرف بطريقة جارحة مع أحد.
في أحاديثه الشخصية هو حكّاء عظيم، والحكي بإمتاع المعرفة غير الثرثرة باستهلاك الوقت.
كان مغرماً بالطقوس مثل غرامه بالشعر والقوافي، لكل فعل طقس... العمل والرياضة والصداقات حتى في الصيف على شاطئ الساحل الشمالي يجلس يومياً يتابع الغروب على دكة خشبية خضراء، وربما أدى غرامه بالطقوس إلى شيوع صورة العقل المجرد عنه.
سألته عن رأيه في ما رسمه بهجوري؟
قال: «عقل إيه، ومبرمج إيه، ده نصف الذي أكتبه أدب»، وهذه حقيقة، فبعض كتاباته ــ بشهادة روائيين كبار، أهمهم نجيب محفوظ ــ ترتقي بصورها الدرامية والإنسانية إلى مصاف الأعمال الروائية الرفيعة، لكنه لم يكن يعتبر نفسه روائياً ولا كانت كتابة الرواية من أحلام الشباب التي راودته.
الشعر هو عشقه الأول، كان يحفظ نحو عشرة آلاف بيت من التراث العربي القديم والحديث خاصة للمتنبي وشوقي، ويستعيدها في أحاديثه العادية كأنه يتنفسها، فلكل موقف بيت شعر يستدعيه من الذاكرة يعلق عليه ويبدي رأيه فيه... واستعادة محفوظاته الشعرية كانت من وسائله لتدريب الذاكرة أن تأبى نسيان ما جرى.
في لحظاته الأخيرة، وهو ينازع الروح، أخذ يردد أمام أبنائه بعض أبيات شعر تؤكد أنه لا فائدة من معاندة الطبيعة والقدر.

من عباراته: «أنا شاعر مقموع».
في سنوات التكوين الأولى بالمدارس الابتدائية، تتلمذ على يد شاعر كبير هو علي الجارم، ساعدته تلك المصادفة في تنمية ذائقته الشعرية.
«كنت قريباً من الأدب والشعر والمسرح، ولم تخطر الصحافة ببالي في البدايات».
في سنوات تكوينه الأساسي تأثر برجلين لكل منهما شخصية تناقض الآخر.
الأول، كامل الشناوي بحياته الصاخبة البوهيمية وطباعه الحلوة والمشاكسة.
«في كل يوم قصة حب جديدة وإحباط آخر وقصيدة مبدعة».
كلما ورد اسم الشناوي، تبدت على وجهه ابتسامة رائقة وتدفقت عليه الذكريات المحببة، ولا يستدعي اسمه في جلساته الحميمة إلا على النحو الذي كان يخاطبه به: «كمولة»... بينما لا يذكر اسم محمد التابعي، ولم تكن هناك حواجز بينهما، إلا مسبوقاً بلقب «الأستاذ».
التناقض ما بين شخصيته الانضباطية في مواقيتها وعملها وتصرفاتها وما بين شخصية الشناوي بكل جموحها وعفويتها وليلها الممتد حتى ساعات الفجر سر عمق ذكرياته، فـ «التناقضات تصنع جمال علاقاتها وخصوصيتها».
والثاني، الدكتور محمود عزمي بثقافته الموسوعية وعمق رؤيته، وقد أفضت حواراته المنتظمة معه قبل ثورة يوليو إلى توسيع مدى نظرته إلى حقائق الأشياء والعصور، كان يعتبره: «من بقايا الرعيل الأول لكُتاب مصر العظام».
في ما بعد يوليو، قدمه إلى جمال عبدالناصر، الذي عينه ممثلاً دائماً لمصر في الأمم المتحدة وفارق الحياة شهيداً على منبر مجلس الأمن.
كان وفياً لأساتذته بأكثر مما هو معروف ومعلن، كان بوسع التابعي والشناوي أن يطلبا ما شاءا في ذروة صعوده الستيني وأن يمشي ما يطلبان على الرقاب.
«لم يكن ممكناً أن أمانع في طلب حتى لو كان فيه خرق لأصول ونظم وقواعد».
صداقته الخاصة مع الشناوي تبدو غريبة على صورته النمطية.
فالشناوي أحد الصعاليك العظام في حياتنا الأدبية والشعرية والسياسية، بينما هو لم يجلس في حياته في مقهى، رغم أنه ابن منطقة الحسين، ولا تعوّد السهر لبعد التاسعة إلا لظروف طارئة.
«قلت له يا كمولة يا ريت تسجل ما تقوله على ورق، فالأحاديث الشفهية مهما تكن روعتها وسحرها، تُنسى مع الوقت ولا يبقى منها شيء».
«بروح الفنان البوهيمي كان يحب فكرة الحب ذاتها أكثر من أن تكون شخوصاً وقصص حياة».
بدا كل أمله أن يأخذ الشناوي منه شيئاً من الانضباط، لكنه لم يتغير. وربما آمل هو أن يأخذ شيئاً من حرية أمير الساخرين، لكنه لم يتغير.
كان منضبطاً في علاقاته، فللقاءات قواعد وأصول لا تعرف المفاجآت، أو ضيوف لا يعرف أنهم قادمون إليه.
فوجئ ذات مساء أن الشناوي دعا إلى منزله المطربة فايزة أحمد إلى حفل عشاء. طرقت الباب ودخلت إلى صالون البيت، وهو وقرينته لا يعرفان من هي، ليكتشفا بعد عشر دقائق أنها فايزة أحمد، وأنها جاءت بدعوة من الشناوي، الذي تأخر بالحضور.

هيكل والشناوي شخصيتان على طرفي نقيض، لكن جمع بينهما شيء ما، ربما رغبة المتناقضات في التلاقي.
«الانضباط شرط ضروري للإبداع حتى في الفن».
لعله ــ من هذه الزاوية ــ كان أقرب ما يكون إلى انضباط نجيب محفوظ في الإبداع الروائي. كما هو معروف، فقد كتب رواياته في مواقيت محددة لا يغيرها، وفي فصول معينة من العام لا يبدلها.
كان محفوظ يميل في شبابه إلى حياة الصعاليك، بمعناها الذي عرفته الحياة الأدبية والفنية المصرية، غير أنه لم ينقل هذا النمط من الحياة إلى مواعيده في كتابة الأدب الروائي.
أما هيكل، فكل شيء في حياته منضبط بمواعيد لا تتغير، وبتقاليد في كتابة مقالاته وكتبه أقرب إلى الاستغراق الكامل، لا اتصالات هاتفية ولا أحد يدخل إليه. وحده مع أقلامه وأوراقه وسيجاره، الذي دعاه الأطباء مرة بعد أخرى للامتناع عنه دون جدوى.

(٢)


«لماذا أنا الآن هنا ـ داخل إطار يبدو بعيداً عن موطني الطبيعي باعتباري كائناً عاش عمره، ومارس عمله وسط مواقع الصحافة ـ وقرب مواقع السياسة». هكذا طرح السؤال على نفسه، وهو يلقي كلمة نادرة بموضوعها ومجهولة بنصها، في افتتاح معرض للفنانة تحية حليم.
«لاختصار الطريق إلى إجابة واضحة، فقد أقول من البداية إنني واحد من الذين يعتقدون أن الفن هو الأب الحقيقي للثقافة في جميع مجالاتها، ثم إن الفنون التشكيلية هي الحلقة الرئيسية في قصة الصعود المدهش على سلم الحضارة الإنسانية».
هذا المقال النادر ينير بعض ما خفي في الجانب الآخر من حياته، حيث الفن بلغة الخطوط والألوان، كما الأدب بلغة الحروف والكلمات، من ضمن تكوينه الأساسي.
بناء الصور في مقالاته وكتبه يعود إلى ذلك النوع من الثقافة.
كما كان الاستماع إلى السيمفونيات الكلاسيكية داعياً لترقية متعة السمع.
في كل عام كان يذهب إلى النمسا للاستماع لأعمال موتسارت (موزار) في مهرجانه السنوي. إعجابه بموتسارت الجامح في مشاعره، وهو المنضبط على قواعد صارمة، مثير بذاته.
كان ذلك أقرب إلى زواج المتناقضات في كيمياء البشر على الجانب الآخر من الحياة.
بتكوينه العقلاني لم يكن يتعجل إصدار أي أحكام قبل استبيان الحقائق، أو يأخذ الزمن حقه.
عندما حصد الروائي بهاء طاهر جائزة «البوكر» الدولية في أول إطلالة لها على الرواية العربية عام ٢٠٠٨، ولم يكن التقاه حتى ذلك الوقت، كتب رسالة خاصة إليه قال فيها: «أردت أن أحضر احتفال أصدقائك بك مع حصولك على جائرة البوكر، التي سعت إليك كما يسعى حق إلى صاحبه، وذلك شيء نادر في زمان فرض فيه على الحق أن يخلف موعده أغلب الأحيان».
في تلك الرسالة الخاصة جملة لافتة تضيء جانباً من شخصيته والمنطق الذي يحكمه في النظر إلى معايير التكريم:
«إن الدائرة الواسعة للقراء هي الجائزة الأهم والصحبة الأبقى لأي كاتب أعطى نفسه حرية الاختيار فمنحه قراؤه نعمة الرضا».
قبل سنة من تلك الجملة المنيرة جاءته رسالة موقعة من دافيد أرنولد، رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة، تبلغه بأن «مجلس الجامعة صوت بالإجماع على أن يقدم لكم درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية»... فـ»إنجازاتكم طوال تاريخكم العملي تعكس مستوى عالياً من الأمانة والامتياز في توثيق تاريخ مصر السياسي، وإسهاماً له قيمته المؤثرة والمستمرة والحيوية في تطور الشرق الأوسط» ـ ١٩ شباط/فبراير ٢٠٠٧.
وهكذا رد في ٥ آذار/مارس التالي على تلك الرسالة:
«إنني شديد التأثر ـ راضٍ وممتن، لكن لدي مسألة أرى أهمية وضعها أمامكم، وتلك هي أنني التزمت أمام الرأي العام من بداية عملي على أن تكريم الصحافي من حق جمهور قرائه بحكم سلطتهم الأدبية والمعنوية عليه، ثم إنه مطالب طوال حياته المهنية بأن يلتزم بهذا الحق للرأي العام دون بديل أياً كان شكل تعبيره: وساماً أو لقباً أو تقديراً من أي جهة أو من أي نوع».
«إنني حاولت مراعاة هذا المبدأ إزاء دول شاءت أن تهديني أوسمتها بما في ذلك وطني مصرـ كذلك راعيته إزاء هيئات تفضلت وأرادت أن تحتفي بي، بما في ذلك جامعات عربية وغير عربية رأت أن تهديني أرفع درجاتها العلمية».

لعله كان أقرب ما يكون
إلى انضباط نجيب محفوظ
في الإبداع الروائي؛ كل شيء في حياته منضبط بمواعيد لا تتغير، وبتقاليد، لا اتصالات هاتفية ولا أحد يدخل إليه. وحده مع أقلامه
وأوراقه وسيجاره


«ولقد وضعت التزاماً ــ مصيباً فيه أو مخطئاً ــ أمام جميع المبادرين بالفضل، وأسعدني أنهم ــ في الغالب الأعم ــ تفهموا دواعيه، حتى وإن رآه بعضهم تعسفاً لا ضرورة له».
في ٢١ آذار/مارس كتب دافيد أرنولد رسالة ثانية سجل فيها تفهمه لـ»الأسباب التي بنيت عليها موقفك في هذا الاعتذار عن قبول عرض الجامعة الأميركية بالقاهرة»... رغم «خيبة أمل مجلس الأمناء والهيئة الأكاديمية بالجامعة لأنهم لم يستطيعوا أن يقدموا لك تقديرهم لإسهامك في قضايا الشرق الأوسط على شكل دكتوراه فخرية».


(٣)


ولد في ٢٣ أيلول/سبتمبر ١٩٢٣ لأسرة متوسطة الحال أصولها من صعيد مصر، ثم وهبه والده للأزهر، كما وهب أخويه الكبيرين للتجارة، غير أن والدته، وهي الزوجة الثانية، أصرت على إلحاق ابنها بالتعليم المدني وإعطائه فرصة أوسع للحياة.
للآن توجد صورة لهيكل الصغير بزي الأزهر الشهير لدى إحدى شقيقاته.
استرق السمع لأمه وهي تقرأ لأبيه نصوصاً مكتوبة من السير الشعبية، التي بهره سحر خيالها. لم تتصور الأم، ولا الأب، أنه كان يسمع ويتأثر وأن الحكايات سيطرت على وجدانه بالكامل، أو أنها سوف تلهم مستقبله.
كان الجد يصحب حفيده للاستماع إلى قراء العصر في رحاب الحسين، من بينهم الشيخ علي محمود، والشيخ الشعشاعي، والشيخ محمد رفعت، الذي لم يفارق جلال صوته مخيلته أبداً.
حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب في الخامسة، أو السادسة من عمره، على يد الشيخ قاسم، وقرأ ما تيسر له من كتب في مكتبة جده.

تحدى ظروفاً قاسية داهمت عائلته منعته من التقدم في التعليم إلى آخر مراحله، علم نفسه بدأب، التحق بالقسم الحر في الجامعة الأميركية لتعلم الإنكليزية، ومر على القسم الحر في مدرسة الليسيه لتعلم الفرنسية، التي أتقنها مثل الإنكليزية وقرأ بها، كما حضر دورة دراسية في كلية الصحافة في جامعة في نيويورك، ودورات مماثلة في جامعات غربية أخرى، بل إنه حضر دورة دراسية في الجامعة الأميركية في علم الاجتماع السياسي بعد خروجه من «الأهرام».
لم يستنكف منتصف سبعينيات القرن الماضي أن يجلس على مقاعد الدرس من جديد بالوقت الذي رفض فيه تعيينه مستشاراً لرئيس الجمهورية، أو نائباً لرئيس الوزراء في حكومة ممدوح سالم.
بأي قياس اعتيادي، فإن رفض المنصب الرسمي الرفيع والجلوس مجدداً على مقاعد الدرس، وهو أقوى وأشهر صحافي في الشرق الأوسط دون منازع، خارج كل ما يمكن تقبله، أو تعقله، أو تفهمه.
بمنطقه هو، فإنه تأهب بزاد إضافي من العلم لدخول مرحلة جديدة من عطائه العام أسفرت عن مجموعات كتبه التي أرخت ووثقت للصراع على مصر. ما لم يكن متقبلاً، أو متعقلاً، أو متفهماً ساعده في الوصول إلى آفاق لم يصلها أحد قبله.
«في كل مراحل حياتنا هناك أستاذ يعلم ويؤثر بأكثر مما نتصور وحياتنا تتوقف على الطريقة التي نستقبل بها المقادير، نشيطين في التفاعل معها أو بليدين».
هكذا قال بعدما استكملت تجربته مقوماتها كلها.
كان ممن يعتقدون أن المشاعر تخص أصحابها.
تزوج عام ١٩٥٥ بالسيدة هدايت تيمور، وشهد جمال عبدالناصر على عقد الزواج، ولم يكن يفضل التطرق إلى حياته الأسرية في الصحف. لمرات عديدة أبدى ضيقه من بعض ما يُنشر عن حياته الشخصية، معتقداً أنها ملكه وحده. وقد اختار لأبنائه وأحفاده مهناً أخرى غير الصحافة حتى لا يظن أحد أن ما يحصدونه من فرص في المهنة مجاملة لأب، أو لجد.
سألت كبرى حفيداته هدايت علي هيكل عندما كانت في سنتها الأولى في الجامعة الأميركية: «لماذا لم تدرسي الإعلام؟».
رد جدها بالنيابة: «يكفي واحد من عائلة هيكل».
رغم حرصه البالغ على خصوصية حياته العائلية، فإنّ كل من اقترب منه يكتشف دون عناء الدور المحوري الذي لعبته السيدة هدايت تيمور في صياغة ظاهرته الفريدة.
ذات مرة وصف علاقة جمال عبدالناصر بحرمه تحية كاظم، بـ»الولاء». «عنده ولاء لها»، يضايقه أن تحزن ويرضيه ما يسعدها. ذلك معنى أعمق وأهم وأجمل من عبارات الحب الاعتيادية.
نفس الوصف ينطبق على علاقته هو بحرمه.
عندما أُخضعت لتدخل جراحي حساس في لندن، واضطر أن يعود إلى القاهرة لفترة قصيرة بسبب ارتباطات لا تحتمل تأجيلاً، كان قلقاً بصورة أفقدته رغبة الحديث، يسمع ولا يتكلم، فمشاعره هناك حيث ترقد مريضة.
سألته: «هل تعرف أنك تحبها إلى هذا الحد؟».
كانت تعرف بأكثر مما قدرت.
لم يكن يخفي عنها شيئاً لكنه أبعد أولاده علي وأحمد وحسن بقدر ما يستطيع عن شواغله وأزماته، وبعضها مزعجة.
ولم يكن يخفي ضيقه البالغ من الخلط بين دوره العام وطبيعة عمل أولاده، فإذا ما اعترضت أحدهم أزمة ما فإنه يتم تعريفه في العناوين الصحافية بـ»نجل هيكل»، رغم أنه يستطيع أن يتحمل مسؤولية تصرفاته.
هو رجل عوّد نفسه على احترام حقائق الحياة، لكن مشاعره غلبته على نحو فادح عند رحيل شقيقه الأصغر الدكتور فوزي هيكل، الأستاذ في الجامعات الأميركية.
لم يكن الدكتور فوزي يذكر اسم شقيقه الأكبر إلا مسبوقاً بـ»الأستاذ» حتى في أحاديثه الخاصة على ما أكد لي أصدقاؤه، ومن بينهم الدكتور أشرف البيومي، والدكتور كمال خلف الطويل.
سألته: «لماذا اتسعت المسافة مع شقيقك الوحيد إلى هذا الحد؟».
قال: «لا تنس فارق السن، خمسة عشر عاماً، وقد تكفلت برعايته وتعليمه بعد أن توفي والدنا، فهو ابني بكل معنى إنساني، لا أخي كما تقول شهادة الميلاد».
وقد بكاه بحرقة أب على ابن.
بالإضافة إلى فوزي، فهناك ثلاث شقيقات ارتبطن به، وكان مثيراً أنهن تزوجن من ثلاثة أشقاء، بعضهم سفراء.
تحدث كثيراً وطويلاً عن والدته ودورها في حياته، لكنه لم يكن يتطرق إلى والده.
في سنواته الأخيرة، وتجربته في الحياة اكتملت، بدأ يستعيد شيئاً من ذكرياته القديمة، وتوقف عند واقعة عابرة لكن كان صداها عميقاً في ذاكرته.
التفت قاضٍ يقف أمامه الحاج حسنين هيكل، إلى اسمه.
سأله: «هل لك صلة يا حاج بالأستاذ محمد حسنين هيكل؟».
كان اسم الابن قد بدأ في الذيوع.
أجاب الأب: «إنه ابني».
في تلك اللحظة استشعر والده بأن نجله لم يكن مخطئاً في اختيار مهنة الصحافة على عكس إرادته. كأي ابن، مهما طال الزمن وتقادمت العقود، فإنه يحب أن يرى نجاحه في عين أبيه قبل أي عين أخرى. لم يكن اسمه الذي يعنيه، بقدر رضا والده عنه.
في مرة ثانية، سألته شخصية بريطانية عما إذا كان هو محمد هيكل الصحافي المصري المعروف، أم أن هناك تشابها في الأسماء.
أجابه: «هو نفس الشخص».
لم يضايقه أن شخصاً ما لا يعرف شكله بينما هو يقرأ له.
تذكر ما قاله له صديقه وطبيبه الدكتور محمد عبدالوهاب، من أن سيدة تونسية أقدمت على زوجته فاتن حمامة متهللة ومرحبة: «كيف أحوالك يا ست نعيمة عاكف؟».
كانت تلك مفارقة مدهشة لأشهر وجه سينمائي عربي.
«لست من هواة الأفلام.. ولا أنا ناقد سينمائي، وإنما أحسست بروح جديدة وأنا أشاهد فيلماً مصرياً لأول مرة منذ سنوات»... «ولقد رأيت فاتن حمامة بعدما كبرت، فإن آخر مرة رأيتها عندما ظهرت مع عبدالوهاب في فيلمه القديم دموع الحب منذ ما يقارب خمسة عشر عاماً».
هكذا كتب في يومياته في «أخبار اليوم» يوم ١١ شباط/فبراير ١٩٥٦ عن فيلم «صراع في الميناء»، الذي رآه «قطعة من صميم الحياة.. قطعة فيها فكرة.. ولها روح.. ووراءها هدف».
لم يعرف فاتن ولا اقترب منها حتى تزوجت من صديقه، غير أن ما كتبه متأثراً بـ«صراع في الميناء» عن «أهمية دعم الدولة لصناعة السينما حتى لا تضمحل» تحوّل بدعوات أخرى مماثلة إلى خيار رئيسي لثورة ٢٣ يوليو.