نقيضان لا يستويان: ارتفاعٌ في نسبة الفقراء، وتراجعٌ في عدد المدارس الرسميّة وفي عدد طلابها وفي مستواها التعليميّ. لكن للأسف هذا ما يحصل في لبنان، ويستفيد منه بعض من يستثمر في التعليم ليزيد من أرباحه، فضلاً عن آخرين يستثمرون فيه لغايتين اثنتين: ربحٌ ماديّ وتنشئة مذهبيّة أو طائفيّة، تخدم تأبيدهم في السيطرة على مقاليد السلطة والثروة لأجيال مقبلة.


والأنكى أن صوت الاعتراض من أصحاب المصلحة الحقيقيّة في تعزيز وتطوير المدرسة الرسميّة إلى خفوت، فلا أصوات شعبيّة أو حزبيّة كما كانت في ستينيّات القرن الماضي، ولا أصوات نقابيّة، في ظل جنوح العمل النقابي منذ عقود إلى الاكتفاء بالمطالب الماديّة والحفاظ على ما عدّوه حقوقاً مكتسبة للأساتذة والمعلّمين.
يترافق ذلك مع شبه انحلال في الإدارة العامّة، ونشوء إدارات موازية في غالب الأحيان. إدارات تأتي مع الوزراء وترحل معهم. وهكذا ينعدم التخطيط الطويل الأمد، وتنعدم النظرة المستقبليّة للتربية والتعليم في لبنان. كذلك يترافق انخفاض المستوى التعليمي في المدارس الرسميّة مع انخفاض موازٍ في المدارس الخاصة، تارةً بسبب جمود المناهج، وتارةً بسبب غياب الحماية للمعلّمين من تعسّف الإدارات المدرسيّة الخاصّة في ظل غياب أبسط القواعد لتمهين التعليم.
حيال هذا الواقع المُنذر بالشؤم، لا بدّ من ورشة إصلاحيّة تُجنَّد لها الطاقات المخلصة من أهل التربية والتعليم، وفي مقدمّهم وزارة التربية، وروابط ونقابات المعلّمين والخبراء الجامعيّين، ومراكز الأبحاث والدراسات، وعمداء كليّات ومعاهد التربية في الجامعات، وعددها سبع عشرة كلية، وكل جامعة تختار المنهج الذي يناسبها لتعليم المعلّمين.
هذه الورشة يجب أن تشمل إعادة درس هيكليّة وزارة التربية، وتحديد ما هو مركزيّ في عملها وما ينبغي جعله لامركزيّاً، وكيف لهذه الوزارة أن تؤمن استمراريّة تنفيذ الخطط الاستراتيجية بمعزل عن تبديل الوزراء وخططهم الآنيّة. كذلك ينبغي أن تدرس جميع القوانين الصادرة بشأن الأساتذة والمعلّمين، فمعلوم أنّ هذه القوانين قد مضى على بعضها أكثر من نصف قرن، وبعضها شُرّع لغايات خاصّة أو لمطالب فئويّة أو تحت ضغط معيّن، ونتيجة ذلك، فقد تضمّنت مغالطات وسبّبت إشكالات تعجز هذه العجالة عن تعدادها.
إنّ ما يلحّ مثلاً: التساؤل عن جدوى المناطق التربوية بوضعها الحالي إذا لم تُعطَ الصلاحيات الكاملة لإدارة العمليّة التربويّة كاملة في مناطقها؟ وما الجدوى من وجود مصلحة ثقافيّة في وزارة التربية في ظل وجود وزارة للثقافة؟ وكيف يكون لـ 28% من الطلّاب مديريّتين و8 مناطق تربويّة، ويكون لـ 72% من الطلاب مصلحة واحدة للتعليم الخاص فقط؟
كيف يكون مُمكناً إجراء مباريات مجلس الخدمة المدنية بالصيغة نفسها المعتمدة منذ 60 عاماً، في ظل قوانين تُلزم لتعيين المعلّمين في التعليم الأساسي والأساتذة في التعليم الثانوي نيل الإجازة التعليميّة نفسها، مع الفارق في الدرجة الوظيفيّة بين الاثنين؟ وهل تكفي المباراة الخطيّة معياراً لاختيار المعلّم؟ كيف تكون دراسة شخصيّته وأهليّته لإدارة الصف، وقدرته على استيعاب الفروقات الفرديّة عند الطلاب؟ كيف الحلّ لمسألة المتعاقدين، وقد فاقت أعدادهم أعداد المعلّمين الدائمين، وبعضهم زادت سنوات تعاقده على 20 عاماً، وبعضهم تجاوز السن القانونيّة التي تتيح له الخضوع لمباراة مجلس الخدمة؟ كيف نعهد إلى المركز التربوي للبحوث والإنماء بدراسة المناهج وهو الذي يفتقر إلى رئيس أصيل وإلى مجلس اختصاصيين؟ كيف نعهد إلى كليّة التربية في الجامعة اللبنانية إعداد المديرين والمعلّمين والأساتذة، وهي التي تفتقر إلى موازنة ثابتة ولا تملك إلا القليل من الإمكانات اللازمة لتأهيل المئات سنويّاً؟ كيف نحل مشكلة التفتيش التربوي الذي يتبع للتفتيش المركزي ومديريّة التوجيه والإرشاد في وزارة التربية التي استنزفت طاقات أكثر من 500 أستاذ ومعلّم من خيرة الأساتذة والمعلّمين وحرمت المدارس قدراتهم؟ كيف نحل معضلة المرحلة الثالثة في التعليم الأساسي، حيث هي تارةً تتبع لمديرية التعليم الابتدائي وتارة تتبع لمديرية التعليم الثانوي؟.كيف نحل مسألة الانتداب من الأساسي إلى الثانوي التي هي باب للهروب من التعليم لمئات من المعلمين؟ كيف نحل معضلة الأستاذ المتعاقد في المرحلة الثالثة في التعليم الأساسي بأجر 18 ألف ليرة وهو نفسه المتعاقد في المرحلة عينها مع التعليم الثانوي بأجر 33 ألف ليرة للساعة الواحدة؟
أسئلة كثيرة، لكن السؤال الكبير والمُلحّ، ولا أعتقد أنّ أحداً يملك الإجابة عنه حاليّاً هو: ماذا لو امتنعت الدول المانحة عن تسديد مستحقاتها لتعليم مئات الآلاف من النازحين؟ وماهو مصير هؤلاء الطلاب؟ وما هو مصير المعلّمين المُستعان بهم وفق آخر تقليعة في التسميات الملتفّة على القانون والأعراف؟
* مسؤول الدراسات في رابطة التعليم الأساسي