توفي عازف الكمان السوري سامي الشوّا عام 1965. هذه السنة تصادف خمسينية رحيله صحيح، لكنها على ما يبدو ستكون سنة ولادته الثانية. اسمه الذي بدأ بالخفوت قبل غيابه بسنوات، بات ذكره في الألفية الثالثة أمراً نادراً خارج الأوساط الأكاديمية أو تلك المهتمّة بالموسيقى العربية.

مساء اليوم، تنطلق احتفالية خمسينية «أمير الكمان» بأمسية تحت عنوان «فنّ ارتجال التقسيم» يحييها نداء أبو مراد (كمان) على رأس «تخت الجامعة الأنطونية للموسيقى الفصحى العربية» الذي يضم هيّاف ياسين (سنطور)، مصطفى سعيد (عود) وغسان سحّاب (قانون).

هذه الاحتفالية ينظمها «المعهد العالي للموسيقى في الجامعة الأنطونية» و«كلية الموسيقى في جامعة الروح القدس» و«مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية» (AMAR). والأخيرة أنجزت للمناسبة عملاً محترماً شكلاً ومضموناً من خلال إصدار كتاب عن حياته وأعماله (راجع مقالة الزميلة لارا ملاعب في الصفحة) وعلبة من أربع «ديسكات» احتوت على أبرز تسجيلات الشوّا في مراحل مختلفة، بدءاً من عام 1906 (راجع المقالة أدناه).

ولد في مصر لعائلة حلبية
تحترف الموسيقى أباً عن جدّ

سامي الشوّا هو أمير الكمان العربي، وهذا لقبه الذي يستحقّه. فقد عرف العالم العربي العديد من عازفي الكمان بعدما دخلت هذه الآلة (بفضل عائلة الشوّا قبل سامي) إلى الموسيقى العربية بكل أشكالها التقليدية والحديثة. لا مجال هنا لتعدادهم، لكنّ أمير آلتهم بقي أميرها لغاية اليوم بفعل موهبته الفنية (إحساسه العالي وقدراته اللافتة في التقسيم) وقدراته التقنية التي ضاهت مهارات «وحوش الكمان» في الغرب، باستثناء بعض التقنيات التي لا دليل على أن الشوّا مارسها (كلعب جمل معقّدة نقراً بأصابع اليد اليسرى بالتزامن مع ضربات القوس باليمنى). لكن، توخياً للدقة، لا يجوز القول إن سامي الشوّا هو أمير الكمان، من دون تحديد هوية هذه الإمارة، أي العربية. فالأمير هو كذلك وأكثر في وطننا، لكنه يتساوى مع العديد في العالم، ويتخطاه كثيرون متى دخل الكلاسيكيون الغربيون في المنافسة على اللقب، أمثال باغانيني كمؤلف وعازف وأمثال العازفين الخارقين كأويستراخ وهايفتز وغروميو وميلشتاين (وبعض الإسرائيليين البارعين فوق العادة والذين نرفض الترويج لهم) وغيرهم. لكن هذه المقارنة لا تجوز، باعتبار أنّ ثمة ما يفصل جذرياً بين الغرب والشرق، إذ يزينُ الأخيرَ ربعُ الصوت الذي يشكل أحد أعمدة إمارة الشوّا، بينما يجهله العمالقة المذكورون أعلاه، علماً بأنه موجود هنا، أمامهم، في مكانٍ ما على زند الكمان، ويمكن استخراجه من دون أي تعديل في الآلة! في هذا السياق، يروي سامي الشوّا أنه حضر في أميركا أمسية للأسطورة ياشا هايفتز المذكور أعلاه، ثم دعاه إلى الفندق لتكريمه، فاستجاب الأخير شرط أن يُسمِعَه «الأمير» عزفه، فاقتصرت ردة فعل ابن الإمبراطورية الروسية على تعجبه لأرباع الأصوات الملَعلِعة من الكمان الشرقي وأسفه لإهمال الغرب هذا البعد الصوتي الدقيق والشديد التأثير. ولد سامي الشوّا عام 1885 في مصر لعائلة حلبية تحترف الموسيقى أباً عن جدّ. والده أنطون كان عازف كمان، وجدّه الياس، أستاذه الأول، كان «قانونجياً»، وجدّه الأكبر يوسف كان من أوائل عازفي الكمان في الوطن العربي. عاد سامي إلى حلب وهو في السابعة من عمره قبل أن يعود إلى مصر عام 1903. بدأ نشاطه في المحروسة عازفاً مرافقاً لمطربي عصر النهضة، ثم أسس فرقته وبدأ بتقديم الموسيقى الآلاتية (موسيقى صامتة) على الكمان، ومنها القوالب الموسيقية (بشرف، سماعي، تحميلة،…) وكذلك الغنائية (يحل الكمان فيها مكان الصوت البشري)، وكان هذا جريئاً وجديداً. جال الأمير في العالم من أقصاه إلى أقصاه، فقدّم الحفلات في الولايات المتحدة الأميركية (زارها ثلاث مرّات وتعرّف فيها إلى الأديبَين جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وغيرهما) والبرازيل والأرجنتين وأوروبا والوطن العربي (مدينته حلب وبيروت ويافا والقدس ودمشق…). في كل ذلك، قارب سامي الشوّا مهنة الموسيقى من زاوية الأداء، لا من زاوية التأليف والتلحين (له تجربة محدودة في هذا المجال)، وحجر الزاوية عنده هو ارتجال التقاسيم. فعلاً، لا أحد يرتجل تقسيماً، موقعاً أو مرسلاً، مثل الشوّا. لديه قدرة هائلة على إبداع جملٍ موسيقية قصيرة أو طويلة، معقدة وجميلة، رغم أنها آنية التأليف. أما الانتقال بين المقامات، فتلك لعبة يجيدها ببراعة كأنه يرى صورة شاملة أمامه ويدرك جميع احتمالات التنقّل بين مقامٍ وآخر واللحظة المناسبة للانتقال. يسعفه في ذلك تمكّنه التقني من آلته، ما يسمح له بترجمة أحاسيسه من دون مساومة.
لسامي الشوّا إصدارات موسيقية نظرية، مثل «تعليم الكمانجة الشرقية على علامات النوته الافرنجية» (1921) و«القواعد الفنية في الموسيقى الشرقية والغربية» (1946). كذلك أسس معهداً للموسيقى في مصر وكان يحلم بتأسيس معهدٍ في مسقط رأسه حلب (زهرة الموسيقى في الشرق، كما كان يسميها)، لكن حلمه، كما كمانه، دُفن معه في العباسية في مصر… انتظرت حلب الحلم طويلاً، لكنها فاقت أخيراً على كابوس، مع فارقٍ أنّ الأخير تحقّق، أيضاً على أيدي أمراء، لكن من نوع آخر.

«حفلة افتتاحية لخمسينية سامي الشوّا»: 19:30 مساء اليوم ــ «الجامعة الأنطونية» (بعبدا). للاستعلام: 05/924073