في ذكرى «أمير الكمان»، وبعد يوسف المنيلاوي، وعبد الحي حلمي ورواد الطرب في بلاد الشام، أصدرت «مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية» كتاباً قيِّماً أنجزه الثنائي المصري مصطفى سعيد والكويتي أحمد الصالحي. الكتاب ممتاز في دقته ومنهجيّته وشموله حياة الشوّا وأعماله، رغم وجود بعض الشوائب الشكلية (أخطاء لغوية وأخطاء طباعة يمكن تفاديها في طبعة ثانية).


لكن الأهم من الكتاب علبة الأسطوانات الأربع، الأنيقة شكلاً والغنية بعشرات التسجيلات التي تحويها، بالإضافة إلى كتيِّب يلخّص سيرة «الأمير» وفنّه (مع ترجمتَين للفرنسية والإنكليزية). في الواقع، أهمية هذا الإصدار تكمن في مسألة أنه لم يكن سهلاً «إيجاد» سامي الشوّا في العقود الأخيرة، إذ إن حضوره في «سوق الموسيقى الحديث» يكاد ينحصر في ألبوم (بات نادراً أصلاً) أنجزه الباحث الفرنسي فريدريك لاغرانج، وفي آخَر ــ أقل انتشاراً ــ حوى بعض تسجيلات الشوّا في الولايات المتحدة الأميركية.

كان يرغب في تبيان إمكانات الكمان الصوتية

تحوي هذه العلبة جميع أشكال التعبير الموسيقية التي مارسها سامي الشوّا (باستثناء عزفه إلى جانب مطربين)، وتشمل فترات مختلفة من حياته بدءاً من 1906. نجد أيضاً تسجيلات نادرة حفظها هواة في جلسات خاصة، أدرِجَت لقيمتها المعنوية والتاريخية رغم رداءة الصوت فيها.
هكذا يعطي هذا الإصدار القيّم فكرة عن تقنيات سامي الشوّا ومهارته كما أسلوبه في العزف. وبالمناسبة، ولتقدير مهارات سامي الشوّا دون مبالغة (هو ليس بحاجة إليها) ولا إجحاف (لا يليق بنا) يمكن، قبل الدخول في ورشة الاستمتاع بهذه التسجيلات، الاستماع إلى الـ«كاربريس» رقم 24 لباغانيني، وهو للكمان المنفرد (أي تسجيل يفي بالغرض) ويحوي كل التقنيات المعقولة للكمان مدفوعة إلى أقصى حدّها. بعد ذلك، يسهل التقدير المنصِف.
نتعرف في هذه التسجيلات، بعيداً عن المهارات، إلى سامي الشوّا المرتجل البارع الحساس، والمتأثر بالموسيقى الغربية (جمل لحنية ذات تركيبة غربية في التقسيم أو في المرافقة). أضف إلى العزف «الجدّي»، تسجيلات للشوّا يثبت فيها رغبته في تبيان إمكانات الكمان الصوتية، فنسمعه مقلداً زقزقة العصافير وصوت الهواء والأذان والديك. هناك أمران لافتان في التسجيل، الأول إيجابي ويكمن في تعديل سرعة بعض التسجيلات لتستقر في «مكانها» الصحيح (دور «كادني الهوى»). الثاني سلبي، إذ كان من الأفضل تحاشي إدراج «تقاسيم عجم» (الديسك الثالث) في هذا الإصدار لسبب يعرفه القيّمون على اختيار هذه التسجيلات.
أخيراً، أتقن أمير الكمان العزف على العود أيضاً، هكذا نجد في الإصدار الجديد تقاسيم راست على عود الشوّا، ونسمع كذلك عزف كبار مثل القصبجي (عود) والرشيدي (قانون).
بشير...