الكهرباء 24/24 أحد أهم الإنجازات المنتظرة من العهد. فالملف الذي عمل عليه الوزير جبران باسيل طيلة عشر سنوات وتابع تفاصيله وزير الطاقة سيزار أبو خليل، أُعدّ بعناية عونية فائقة في انتظار اللحظة التي يتمتع فيها العونيون بالنفوذ اللازم لتحقيق النقلة النوعية التي تناغم الرئيسان نبيه بري وفؤاد السنيورة لمنعهم من تحقيقها قبل سنوات. فالخطة جاهزة منذ عام 2010 وهي تحظى بدعم البنك الدولي وجميع المؤسسات الدولية المعنية بتأمين القروض اللازمة لتحقيقها، ويقول وزير الطاقة منذ تسلمه منصبه إن الوزارة تتخذ التدابير اللازمة لتحقيقها أخيراً.


لكن هناك من لا يريد للرئيس ميشال عون والوزير باسيل أن يخرجا إلى شرفة القصر الجمهوريّ للاحتفال مع جمهورهما بتحقيق واحد من أكثر المطالب الشعبية إلحاحاً، أو أن هناك من يريد أن يوحي للرأي العام بأنه شريك في هذا الإنجاز ليضيفه إلى بطولاته الوهمية. ففي وقت كان فيه النواب والوزراء العونيون يحفرون في صخر المجلسين النيابيّ والوزاريّ، كان وزراء حزب القوات اللبنانية ونوابه يزايدون في الشعارات السياسية غير مبالين بالملفات الإنمائية والخدماتية، وإذا برئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع يقرر فجأة أن يتحول من داعية إخواني في المنطقة إلى داعية اقتصادي، وانطلقت سريعاً حملة دعائية للإيحاء بأن هاجس القوات الآن هو تأمين الكهرباء 24/ 24، رغم أن الطرح الذي تقدم به ليس عملياً سوى واحد من الطروحات السنيورية التي يصفها أحد المطلعين جداً على الملف بأنها «مجربة» وساذجة ولا تستحق التوقف عندها.
فقبيل وضع اللمسات الأخيرة على خطة باسيل، تم درس جميع الاقتراحات بحيادية وتأنّ، ولم يستطع رئيس كتلة المستقبل نفسه أن يدافع عن طرح الخصخصة الذي ولد وترعرع بين يديه. والأهم من هذا كله أن النقاش في خطة باسيل كان يفترض أن يحصل من قبل القوات وغيرها قبل سبع سنوات حين طرح الموضوع في اللجان النيابية ومجلس الوزراء والهيئة العامة لمجلس النواب، لكن يبدو أن القوات يومها كانت مشغولة بأشياء أخرى، ولم تكن تحسب حساباً لتأثير إنجاز كهذا، فاندفعت لمحاولة وضع العصيّ في الدواليب، علماً بأن أبي خليل علّق بكلمتين أمس حين سئل عن رأيه بمناورة جعجع، فقال إنه في صدد إعداد «خطة للصحة»، رداً على اقتراح وزير الصحة القواتي، نائب رئيس مجلس الوزراء، غسان حاصباني، «خطة» للكهرباء في وسائل الإعلام. ورغم خروج نائب رئيس الحكومة (من قاعة مجلس الوزراء) عادة من باب خاص به وبرئيس الحكومة، حرص على الخروج أمس مع أبي خليل من باب الوزراء ليراهما الصحافيون معاً ويخفّفا التوتر.


لم يبالِ الجمهور العوني بالإهانات القوّاتية لرئيس حزبهم وأبرز وزرائهم
لكن ما حصل في اليومين الماضيين بيّن أن هناك جمراً كثيراً تحت رماد التفاهم العوني ــــ القواتي. وفي ظل الأرقام اللافتة التي يحصدها رئيس مؤسسة كهرباء زحلة في استطلاعات الرأي، واتضاح الصورة بأن الناخبين «يبدّون» أصحاب المطالب الإنمائية على أصحاب الشعارات السياسية، تحولت المسؤولة القواتية أنطوانيت جعجع في اليومين الماضيين إلى متخصّصة في «إضاءة لبنان 24/24»، حيث راحت تكتب الشعار تلو الآخر على صفحتها على فايسبوك، مطالبة اللبنانيين بأن يكونوا معها لإضاءة لبنان 24/24، رغم أن حزبها لا يملك شبه تصور جدي عن هذا الموضوع. لكن التعليقات التي انهالت عليها كانت من «أعطيناهم أكثر ما بيستاهلوا» ونزول. والـ»هم» هنا تعود إلى العونيين. والواضح أن القوات اللبنانية بدأت حملتها الانتخابية باللعب في ملعب التيار الوطني الحر، رغم أن الفريقين متحالفان في المبدأ. فالناشطون القواتيون بدأوا الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي أشياء، مثل دعوة أبي خليل إلى أن «يتضبضب» هو و»تيارك المطفى والمعتم، لأن القوات اللبنانية ضوّت في عز الحرب عام 1990 الأشرفية 24 على 24». وصار الوزير باسيل «فاشل، لم يفعل في وزارة الطاقة طيلة 8 سنوات غير النهب والسرقة، فيما البلد معتم». وعمّم وصف باسيل بـ»التاجر العنيد» في أماكن أخرى. ولم يتردد ناشطو القوات في القول إن «باسيل الطنجرة وأبي خليل غطاها». وكتب حزبيّ آخر قائلاً إن اتفاق معراب «لجمنا من الكلام، لكن على العونيين الاهتمام بالتغيير وترك الإصلاح للقوات، لتبدأ من دهاليز الكهرباء وبواخر فاطمة غول». أما الجمهور العوني فلم يصدر عنه أي تعليق ولو بسيط على دخول القوات اللبنانية بهذا الشكل على الملف العوني الإنمائي الأول، ولم يبالوا بكل الإهانات لرئيس حزبهم وأحد أبرز وزرائهم في الحكومة، علماً بأن قيامة هؤلاء كانت تقوم لو أبدى أيّ أحد آخر ملاحظة صغيرة بشأن خطة باسيل الكهربائية.