في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، هدم العقار رقم 1327 القائم في منطقة البسطة بقرار من محافظ بيروت زياد شبيب، وموافقة «بلدية بيروت». حصل ذلك رغم أنّ وزارة الثقافة بعثت ـــ عبر وزرائها المتعاقبين ـــ مراسلات الى المحافظ، تحذّر فيها من أعمال الهدم، وتدعو الى ضمّ هذا المنزل الى «لائحة الجرد العام»، كمبنى تراثي.


المنزل الذي ناهز عمره التسعين عاماً ـــ وفق ما يقوله لنا سكان المنطقة ـــ يضم 3 طبقات، يجاوره اليوم بيت تراثي ثان من طبقتين، يعلوه قرميد أحمر، مهدد أيضاً بالمصير عينه. ويبدو أنّ لافتة «حي ذو طابع تراثي» التي تستقبل الزائر، ستضحي وحيدة مع الوقت، وسط أعمال الهدم العشوائية التي تجزّر ببيوت بيروت القديمة وتهدد أيضاً حياة السكان الخائفين من تزحزح أساسات مبانيهم.
في الطبقة الأولى من المنزل المهدّم منذ أكثر من شهرين، سكن الفنان «شوشو» أو حسن علاء الدين (1939-1975) لمدة ثلاثين عاماً تقريباً. عاش أسطورة المسرح الشعبي في هذا الحي البيروتي، الذي تشوّه اليوم بفعل الفوضى، والاكتظاظ السكاني، وغياب الدولة. لا يتذكر أهل الحي، سيما الذين عاصروا الفنان الكوميدي سوى أنه «عاش درويشاً ومات درويشاً» ومديوناً أيضاً. يروي لنا، مصطفى زين، صديق طفولة شوشو عن هذه المرحلة التي رافقه فيها، وكانا في العاشرة من عمرهم.


البيارتة الكبار يذكرونه درويشاً
في حياته ومماته

وسط بساطة أدوات اللعب عند أطفال ذلك الزمن، يقول زين إنّه كان يذهب مع الفنان الراحل ومجموعة من الأصدقاء، ليسردوا قصصاً و«تمثيليات»، ويتباروا في ما بينهم. يحكي كيف كان شوشو موهوباً منذ صغره، يتفنن في تغيير شكله، ويتقمص شخصيات كرتونية أو سينمائية معروفة. في المنزل عينه، سكنت الفنانة الكوميدية أماليا أبي صالح (1946-2014) لمدة 13 عاماً، بعدما هربت مع زوجها محمد دمج الذي تعرفت إليه في المسرح، وكان يعمل مهندساً للديكور. هربت «بدور» معه بسبب اعتراض الأهل والمجتمع على هذا القران بين «مسيحية» و«مسلم». وقتها، اقترح شوشو على رفيقة دربه المجيء الى هذا المنزل والسكن فيه.
يجمع سكان المنطقة من البيارتة الكبار، على استسلامهم لهذا الواقع الذي يقضم ذاكرة بيروت، ويسلبها هويتها المعمارية والثقافية... وذاكرتهم أيضاً. لا يبالون كثيراً إن هدمت كل المباني التراثية في منطقتهم. يذهبون فوراً لضرب المثل بما فعلته «سوليدير» من محو كليّ للأبنية والذاكرة في وسط بيروت،. إنه «بلد الرأسمالية» يقول أحدهم، ويضيف آخر: «معك ليرة بتسوى ليرة». يصوبون على مشاريع الراحل رفيق الحريري الذي هدم كل هذه الذاكرة ومن ضمنها ما أضحى يسمى اليوم «زيتونة باي». يتحدثون بإستهزاء عن غلاء المعيشة، فأصبح تناول فنجان قهوة هناك يساوي 5 الآف ليرة.
أمضى صاحب الجسد النحيل والشاربين الكثّين أكثر من نصف عمره في هذا الحي، وغاب تدريجاً عندما كرّس نفسه للفن وللتمثيل. اليوم، استحال المبنى الذي قطنه ركاماً، فيما ينتظر السكان حدوث مجزرة جديدة بحق المنزل التراثي المجاور.
وإذا كانت الحجج المعطاة لعمليات الهدم، بأنّها مسموحة في حال كان المنزل غير تراثي، ولو سكنته شخصية لها قيمتها الفنية والثقافية، فمنزل «شوشو» تراثي بامتياز. كلنا يذكر تهديد منزل الكاتب أمين معلوف عام 2013 في منطقة بدارو الذي عاش فيه 10 سنوات، وقطنه ذووه لأكثر من 40 عاماً. منزل يعود الى حقبة الثلاثينيات، كان على وشك الإختفاء بقرار من وزارة الثقافة آنذاك. يضاف اليه منزل السيدة فيروز في زقاق البلاط، الذي قيل إنّه سيتحول الى متحف، وما زال الخراب داخله سيد الموقف. في وقت يكرّم فيه الغرب كباره وأدباءه ولو مروا مرور الكرام من بقعة جغرافية، نرى في لبنان، جشع الإستثمار يواظب على محو تاريخ وذاكرة جماعية وفردية على حدّ سواء. المفارقة أنّه بعيداً عن العاصمة المسلطّة عليها أعين المستثمرين، يتم تحويل بيوت فنانين وأدباء الى متاحف سياحية وتثقيفية كمنزل الفنان زكي ناصيف في مشغرة (البقاع الغربي) الذي تحول الى متحف ومعهد موسيقي، ومتحف جبران خليل جبران في بشري (الارز) الذي ما زال حاضراً مستقطباً السيّاح منذ سنوات طوال.