«منشورات الجمل» تصدر عملين جديدن له: سركون بولص... كيف ننهض بعد الطوفان؟


لسنا بحاجة إلى حدث ما لنعود إلى سرگون بولص كي نقرأه من جديد. فهل توقّفنا أصلاً؟ وهو الذي رأى كل شيء والذي تزداد نصوصه توهجّاً مع الزمن. وهو الذي يعلّمنا «كيف نحمل العبء وننهض بعد الطوفان». وما أكثر الطوفانات اليوم! لكن نشر ترجماته وحواراته مجموعةً في كتابين ضخمين عن «دار الجمل» أخيراً مناسبة لتأمّل تراث هذا الشاعر الفريد وللتمعّن في خرائطه الجماليّة. وفرصة لتكوين صورة أشمل عن سلالته ومنابع التجارب المختلفة التي تمثّلها واستوعبها، قراءة وترجمة، في مئات النصوص.

والترجمة ممارسة معقّدة وبالغة الأهميّة وفعل إبداعي بحد ذاته تتجاوز النقل من حيز لغوّي إلى آخر. بل هي إعادة كتابة وبداية حياة جديدة للنص في لغة أخرى (يظلّ النص في حِداد إلى أن يترجم، بحسب ڤالتر بنيامين).
كيف نقرأ سرگون وأي الطرق نسلك إلى مدينته؟ لا يفترض السؤال طريقاً أو باباً واحداً بالطبع. لكن الكثير من القراءات السائدة تتعثّر وتدور وهي تكرّر مجموعة من الصور النمطيّة عن سرگون تبقيه أسير إطار جامد يقترن بمرحلة سابقة. وقلّما تأخذ بنظر الاعتبار تحوّلات خطابه الشعري ورؤيته، خصوصاً في ديوانه الأخير. ونمطيّة هذه القراءات محكومة بإطار عام تهيمن عليه الليبرالية الثقافيّة. ليبراليّة تلخّصها الكيفية التي يُقْرأ (أو بالأحرى: يُهْمَل ولا يُقْرأ البتّة) فيها البعد السياسي في شعر سرگون. فالقراءات الليبرالية تنظر إلى هذا الشاعر ككائن خارج كل الأطر السياسية (غالباً ما يذكر عدم انتمائه لأيِّ حزب، على عكس معظم مجايليه العراقيين، وكأن ذلك يعني خلوّ شعره من أي إيديولوجيا). والأمر يعود لفهم سطحي لمعنى السياسي أساساً وأطيافه الحاضرة في كل قول وفعل في العالم. وإذا ذُكِرَت قصيدتا «جلّاد» و«تقرير من الجبهة» وسياقهما واضح (عراق الثمانينيّات والدكتاتورية والحرب ضد إيران) فنادراً ما يشار، مثلاً، إلى قصيدة أخرى مهمّة بعنوان «إل سلفادور» من ذات المرحلة: «أيّها السادة/ ماذا فعلتم بالعالم؟/ أخاطب المجرمين الكبار بينكم/ أولئك الذين يسكّون نقود الأرق/ للشعوب الصغيرة/ مسلّحين/ بالديدان والدولارات/ بصواريخ بيرشنغ ووكالات الأنباء/ من الذي أوكل إليكم بالعالم، بأي شيء؟/ من أنتم؟» والتي تؤشر إلى نقطة تحوّل مهمّة في علاقة سرگون المعقّدة بأميركا التي بدت وكانت له في نهايات الستينيّات والسبعينيّات: أرض الحلم والحريّة والمغامرات والاكتشافات وشعرية الرفض، لكنّ صورتها في شعره ونظرته إليها ستتغيّر في الثمانينيّات.


القراءات الليبرالية تنظر إلى هذا الشاعر ككائن خارج كل الأطر السياسية
فنجده يتخلّص من ليبراليته الحالمة ويحدّق في الكابوس وهو على أرض القارّة المسروقة، كما سمّاها. وستصل خيبة الأمل الممزوجة بالغضب إلى ذروتها بعد حرب ١٩٩١ كما يذكر في أحد الحوارات «أصبحت أميركا مرآة دامية». وتترسّخ أكثر فأكثر بعد الحادي عشر من أيلول، فنقرأ في ديوانه الأخير «أرى أصابع رودان في كل هذا/ أراه واقفاً في بوابة الجحيم يشير إلى/ هوّة ستنطلق منها وحوش المستقبل، هناك/ حيث انهار برجان وجنّت أميركا». وبعد الحرب الثانية على العراق عام ٢٠٠٣ «أينها؟ أين أميركا التي عبرت البحر/ لآتيها، أنا الحالم؟ هل ستبقى أميركا ويتمان/ حبراً على ورق».
وإذا كانت «الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى» كما قال كلاوسفتز، فلا بد من قراءة مقاربة سرگون للحروب التي شنّها البلد الذي اختاره منفى، ضد وطنه: العراق. وفي موقفه وشعره درس أخلاقي وجمالي بليغ عن علاقة الشاعر بالسياسة في زمن الحروب المستمرّة. من المهمّ استعادة ما ذكره بصدد الشعراء الأميركان «من يذكر الحرب المستعرة حوله وهي على الصفحات الأولى في كل جريدة في العالم؟ أرى الشعراء الأميركان اليوم مثل النعّام، يبحثون عن أقرب حفرة في الرمل ليدفنوا رأسهم فيها». وينطبق هذا على الكثير من الشعراء الليبراليين في منطقتنا. أمّا سرگون، فهو مثل تو فو (٧١٣-٧٧٠)، سيّد المنفى، الذي يتقمّصه في قصيدة رائعة والذي حاول أن يوجز تاريخ البشريّة بأكمله في ست كلّمات: «دخان الحرب أزرق/ بيضاء عظم البشر». من الإشكاليات السائدة في مقاربة سرگون هي قراءته عبر إثنيته واختزاله إلى «شاعر آشوري» في ما يمكن وصفه بقراءة «على الهويّة»، وهو ما أصبح شائعاً في زمن الطائفية البائس. ويعيد هؤلاء، بلا وعي، استخدام ذات الإطار الإثنوي/ القومي الذي استخدمه من قبل شاعر حزبيّ لتهميش سرگون والتشكيك بخبث بعلاقته بالتراث العربي في محاولة لإسقاط الشرعية الثقافية عنه. هؤلاء يقولبون الشاعر، ولكن إيجابياً، فيظل آشورياً. لا أقلّل البتّة من أهميّة خلفية الشاعر وهويّته وتكوينه. لكنه هو ومنجزه أكبر وأعمق من هذه الأطر الضيقة. وأفضّل قراءة الرموز والإشارات الواردة في شعره إلى التراث الرافديني في سياق التاريخ والمكان العراقي والثقافة العراقيّة التي ينتمي إليها سرگون بقوة قبل وبعد أيّ تقسيم هويّاتي. وكان بإمكان سرگون أن يكتب بالانگليزيّة وأن يشتهر كشاعر أميركي، لكنّه اختار البقاء في اللغة العربية التي قال عنها «هي الحبل السري الذي يربطني بشعبي وبتاريخي، هي الوطن الحقيقي الوحيد الذي أملك».
في العراق المتخيّل (والمستحيل) يحفظ أطفال المدارس قصيدة سرگون «بورتريه للشخص العراقي في آخر الزمن»؛ لأنها أيقونة شعريّة عن وطنهم وتاريخه. وفي عالمي المثالي (المستحيل أيضاً) يقرأ ركّاب المترو قصائد سرگون مترجمة على جدار القطار أو المحطّة. ولتكن إحداها قصيدة «سكّة» التي أستعيدها كلّما كنت في محطة مترو ليلاً: «إنّه نفس الفراغ الطالع/ من حضرة آخر الليل في أية مدينة/ متخمة بالأحياء والموتى: باريس، برلين، لندن. نيويورك/ آخر الغرب. نهاية الخط. سكّة الختام».
* شاعر وروائي عراقي