«منشورات الجمل» تصدر عملين جديدن له: سركون بولص... كيف ننهض بعد الطوفان؟


لا يمكنُنا أن نقرأ شعرية سركون بولص بعيداً عن أثر الشعرية الأوروبية المضادة التّي خرجت من الجموح السوريالي للعالم، أو انكسار راية التمرد على نسق الرمزيّة بشكلها الأنكلوسكسوني أو الفرنسي؛ لأنَّ بولص يمتص بوعيه العدمي كلّ لحظة التناقض الصارخ بين «الكينونة والوجود»، ويحيل التجربة الشعورية إلى حالات اللازمنية كتسامٍ على الإحساس بالميثولوجيا والتاريخ والراهن؛ ولهذا تبدو الفكرة الشعرية جماليّاً مندغمة بروح الجموح في اكتشاف العالم الداخلي للإنسان الفائض عن الحاجة.

وبذلك تتكوّن شعرية بولص بين أبعاد الانعطاف الباطنيّ للاستبطان السايكولوجي، ونفي صيرورة الزمن بوصفه وحدة متسلسلة في المكان، وتجيء رحلة المغامرة والاستقصاء التأملي للجموح من «حامل الفانوس في ليل الذئاب» عبوراً نحو البحث عن الجحيم الأرضي «الوصول إلى مدينة أين»، وأخيراً الركون إلى حياة صاخبة، مملوءة بالضجيج واقتلاع الذاكرة والنسيان في «الحياة قرب الأكروبول»، وهي ما عمقته رحلة الاغتراب الروحي من الإحساس بالتناشز الاجتماعي، إلى رحلة البحث عن الملاذ، وصولاً إلى المنفى.


تنخرط تمثّلات حانة سيدوري في شعريّته عبر وعي جيل «البيتنكس»، ولا سيما آلَن غينسبيرغ الذي قدّمه إلى العربية مبكراً


إنَّ العالم في وعي سركون بولص الشعري عالم مفتت ومنهار أصالةً، وليس في شحوبه ما يدعو إلا إلى العواء في ليله الكئيب، أو الضحك في وجهه الساخر، وليس الوقوف على أطلاله بكاء ورثاء. لعلّ هذا الإحساس المتناقض لصورة العالم، قد تجيء من الشعور العدمي باللاجدوى من الأشياء ومصائرها الأزلية. ولهذا نراه يقول على نحو من السخرية المضادة أو الملهاة السوداء: «ما معنى الحِداد؟/ الميت في تابوته/ لا يطالب بالبلاغة/ الأيدي في فيء السطيحة/ تهشُّ ذباب الصيف العنيد/ وماذا يقول المرء/ عندما يموت في مكانه الآخر؟.../ وأنت، أيها الميت،/ ترقد بكل بساطة/ على ظهرك، وتختصر الكون». وإذا كان العالم بلا جدوى ولا يثير إلا الضحك الساخر، وكان النكوص حول الذات تقوقعاً وإيغالاً في التقاط التناقض في بئر الروح، فإنَّ هذه الفكرة حين تأتي في قصائده القصيرة، تكون أكثر انسجاماً وتوتراً منها في مطولاته الشّعرية التي يعوزها بعض صنعة الإحكام الشعري، إذ قد تنفلت الفكرة في القصيدة حتى تصبح تأملاً، أو تترهل في القصائد الطويلة حتى تخبو تحت هواجس مضطربة، وتصبح القصيدة متأرجحة بين مزاج حاد لحساسية قلقة، وفكرة لولا توهجها لبدت منفصلة عن فضاء التجربة الشعرية.
ولعلّ العبور من ليل الذئاب هروباً يقتضي فكرة البحث عن (مدن الأين) على (مركب نوح) الغارق بالفجيعة، هو ما يدعو الشّاعر إلى رؤية العالم في ما بعد وبتأثير من الشعرية الأميركية إلى أنه كون كرنفاليّ صاخب، وهو لا يعدو أن يكون حانة لاجتماع الملاهي بالمآسي، وصولاً إلى ما يؤسسه شعريّاً بـ«حانة الأبدية»، حين يكون السؤال الميتافيزيقي ضرباً من التشبث بالعبث، ويكون فائض الحكمة نوعاً من بهرجة زائفة لحياة تقف على حافةٍ. ولهذا يعمد إلى تشييد صورة الحانة بوصفها الفردوس الإنسانيّ البديل، مستلهماً أبعادها من «حانة سيدوري» في الميثولوجيا البابلية.
وتنخرط تمثلات حانة سيدوري في شعرية سركون بولص عبر وعي جيل «البيتنكس»، ولا سيما آلَن غينسبيرغ الذي قدمه إلى العربية مبكراً في قصيدته «عواء»، وهو جبل الغضب والتمرد والنزوة الزائلة. ومن هنا تجيء رحلة البحث عن الحانة تعبيراً عن اللحظة العراقية العدمية، مقرونة بتجربته التي تمثلت الإرث الرافديني في ملحمة الطوفان ورحلة جلجامش؛ ولهذا تبدو مدارات المعنى الشعري ومرجعياته موزعة بين العناء الميثولوجي والحكمة الدينية، وهي تكشف ــ رغم سعة المسافات وتبدل الأمكنة ــ تآزر الأضداد على نحو خلّاق، وهذا الاجتماع والتآلف مقترن باستحضار الماضي وجعله حاضراً في الأبد، فيجيء هذا التآزر مرة بلحظة صوفية إشراقية كما في «حانة الكلب» التي يضع لها مقتبساً من مقولة جلال الدين الرومي «إذا كنت نائماً في مركب نوح وأنت سكران ما همكَ لو جاء الطوفان»، أو في الرجوع إلى رحلة جلجامش مرة أخرى كما في مجموعته «الأول والتالي» (إلى أرض الأحياء تاق السيد إلى السفر)، وتمثل نهاية «كرسي القصب» الحركة الأخيرة للرحلة: «يا لها من رحلة/ الميّت والحي ضيوف في حانة سيدوري/ من يحتاج إلى الآلهة؟».
وتنطوي مرجعيات الفكرة الشعرية عند بولص على مأزق صراع حضاري بين الشرق والغرب، بين مركب نوح ورحلة جلجامش من جهة، وبين حانة سيدوري وحانة الكلب من جهة أخرى، لا تنفصم بعلاقة ثأرية شعوراً بعقدة النقص الحضاري، أو تتحول إلى غواية إيروتيكية، بل تستغور البعد الروحي للفرد وأزمته الوجودية. ففي الملاحظات الختامية التي وضعها في نهاية مجموعته «إذا كنت نائماً في مركب نوح» نراه يقول: «كان هذا العنوان قد خطر ذات يوم وأنا أسوق سيارتي في شارع ال كامينو ريال أي الطريق الملوكية وهو أطول شارع في كاليفورنيا... يرمز إلى الطريق التي سلكها كهنة المكسيك... لاحظت بالمصادفة لافتة على باب بار استرعت انتباهي في الحال، وتوقفت عندها كأنني وجدت سر أميركا أخيراً: حانة الكلب حرفياً على طريق الملوك... ملوك الروح... ذلك المعنى المتأرجح بين الكلبية والقداسة، بين حضارتين متصادمتين، عالمين بينهما فروقات شنيعة... كتلك التي بين أميركا الشمالية والجنوبية، أو بين الغرب والشرق. هكذا عدت إلى الكتابة ثانية. وكانت حانة الكلب». وبعدُ، فإنَّ سؤال بولص الشعريّ يظلُّ سؤالاً قائماً في اكتشاف الذات بأبعادها السايكولوجية والوجدانية، أو بترجيع أصدائها البعيدة في علاقتها بالواقع والتاريخ، إذ يبدو حينها الإنسان في القصيدة فرداً منعزلاً عن الآخرين، حارس سواحل، ينهكه المصير وتعذّبه روح المغامرة.
* ناقد وأكاديمي عراقي