نيكول نغويِن وهي أستاذة مساعدة محاضرة في مادة أسس التعليم الاجتماعية في جامعة «إلنُيْز» في شيكاغو، تستهل مؤلفها بالقول: «بعدما صعدت أدراج مدخل المدرسة المقفل، توقفت لعلمي بأن بابها مغلق. فضلتُ الانتظار حتى مر أحد الطلاب ففتح لي الباب ثم نظر إلى الخارج ليرى إن كان ثمة من متشردون أو أشخاص مشكوك فيهم في الباحة! تقدمت نحو غرفة إدارة المدرسة، تنفيذاً لتعليمات اليافطة التي واجهتني. سلمت الشخص المسؤول رخصة القيادة الخاصة بي. وضعها في جهاز يكشف كل محتوياتها عبر برنامج حاسوبي خاص وإن كان صاحبها من ذوي السوابق العدلية.


تواجدي في المدرسة يستدعي أيضاً قيامي بملء استمارة رسمية تكشف هويتي وخلفياتي العدلية عند كل مرة أدخل فيها مبنى المدرسة. بينما كنت في انتظار إنجاز الحاسوب الكشف عن هويتي وتاريخي، كان علي توقيع دفتر زوار المدرسة موضحة هويتي ومتى دخلت المبنى، والجهة التي أنوي الاتصال بها، علماً بأن زيارتي هذه لم تكن الأولى، إذ مرت أشهر عديدة على بدئي تقصي موضوع بحثي. رأيت شاشات المراقبة الأمنية الموجهة على كافة أنحاء المدرسة والمنطقة المحيطة بها، وخلفي وقف أحد رجال أمن يتحدث مع زملائه عبر جهاز اللاسلكي الفردي (التوكي ووكي).


علاقة دائمة بين التعليم والأمن القومي في المدرسة

بعدما انتهى الحاسوب من عملية المسح، سلمتني سكرتيرة المدرسة لاصقة زوار عليها صورتي واسمي ووقت دخولي المدرسة والجهة التي أقصدها في المبنى، فقمت بلصقها على صدري كي تكون واضحة تماماً لكل من يقابلني، وفق التعليمات الصارمة التي تلقيتها سابقاً، وخاصة بعد تلقي ملاحظة من أحد رجال الأمن في المدرسة بالخصوص، موضحة بذلك التزامي الكامل بتعليمات الأمن».
هذا الهوس الأمني المنتشر في المدرسة وأجوائها، وفق المؤلف، ليس ناتجاً من أحداث أمنية تعرضت لها في الماضي، ولا بسبب كونها تقع بالقرب من قاعدة عسكرية، وإنما نتيجة تبنيها النظرة الأمنية و«برنامج الأمن القومي» الذي ترعاها المؤسسة الحاكمة والصناعة العسكرية والأمنية وإدارة هذه وغيرها كثير من المدارس.
موضوع محاضرة ذلك اليوم، في تلك المدرسة كان «أسس الأمن القومي 1». وكان على الطلاب مناقشة موضوع «عن أسباب قيام الإرهابيين بمهاجمة القطاع الزراعي في الولايات المتحدة». «هنا، طرحت على نفسي تساؤل: كيف وصلت الأمور في الولايات المتحدة إلى هذا الوضع! ما الاستثمارات والبنى الاجتماعية التي قادت إلى جعل مناقشة الإرهاب والأمن القومي في المدارس الحكومية أمراً طبيعياً إلى حد مخيف؟»
خلال لقاءاتها بالطلاب، تبين للكاتبة أن اهتمام الطلاب بالموضوع وانخراطهم في البرنامج فتح في المجال أمامهم للوصول إلى «وكالة الأمن القومي» national security agency, nsa وبالتالي إلى «وكالة منظمة معلومات الدفاع» defence information systems agency, disa، إضافة إلى لقاء مجموعة من الشخصيات المعروفة من جنرالات ورجالات من وزارة الأمن القومي ومندوبي شركات متخصصة في الصناعة الأمنية والأمن في الفضاء الافتراضي ومنها شركة «دِل» (dell)، وفتح أمامهم مجالات عمل غير محدودة في أجهزة الاستخبارات! أحد الطلاب المشاركين في البرنامج الأمني، واسمه جمال، أخبر الكاتبة أنه تعلم أن يكون منتبهاً لكل ما يجري حوله وكيفية تقويم الأشخاص المتواجدين في فضائه!
هذا البرنامج الأمني في «ملتن» وغيرها من الكليات انتشر بعد اعتداءات 11/9 ورغبة إدارتها في تحولها إلى جاذب لطلاب الطبقة الوسطى بعدما استحالت المنطقة مركزاً للصناعة الأمنية وبؤرة جذب الخبراء في هذا المجال، فأقدمت على عقد تشاركات مع شركات التصنيع العسكري والأمني وهيئات اتحادية مثل وكالة الأمن القومي، ما يعني تأهيل طلابها للعمل في هذه المؤسسات والهيئات والوكالات وتعلم مناهج أمنية جديدة مثل «منظومات المعلومات الجغرافية» geographic information systems, gis.
نيكول نغوين تلاحظ في الوقت نفسه أنها لم تقرأ عن توافر أي برنامج في أي من الكليات التي تبنت «برنامج الأمن القومي» خاص بالطلاب ذوي الأصول الفقيرة أو من ذوي البشرة غير البيضاء!
البحث الذي أجرته الكاتبة أوضح أنّ شركات المجمع الصناعي/الأمني تستثمر ملايين الدولارات سنوياً في هذه المناهج التعليمية وتنفذ نشاطات ذات علاقة، ومنها تقديم منح للطلاب ومسابقات ولقاءات مع كبار المسؤولين الأمنيين ومحاضرات خارج الكلية، وغيرها، ما يعني انخراطها على نحو كامل في منظومة الدفاع والأمن الأميركية.
عبر صفحات المؤلَّف، تبين الكاتبة أن هذا البرنامج الأمني يؤثر في نحو عميق في نفوس المتلقين، وتعترف بأن مشاركتها فيه للحصول على المعلومات المتعلقة به غيَّر من تأويلاتها للعوالم المحيطة بها وضاعف من مخاوفها من هجوم إرهابي وشيك. وتبين لها أيضاً أن تقصيها هذا ــ وهو الأول في مجاله ــ يُعنى أيضاً بالمضاعفات السياسية والثقافية والعاطفية لـ «برنامج الأمن القومي» وتأثيرها في الطلاب.
تقول الكاتبة إنّ مؤلفها الإثنوغرافي يتفحص السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي ساهمت في بدء هذا البرنامج واستمرار شعبيته بين الطلاب وتجارب الطلاب اليومية معه، اعتماداً على فطنة جمال وطالب آخر اسمه مرتريز. لذا فقد قسمت مؤلفها إلى الفصول الآتية:
1) تعليم الحرب والإحساس بالخوف: إعادة هيكلة المدارس العامة في فترة الحرب الكونية على الإرهاب.
2) الباحث الكامن: أخلاقيات إثنوغرافية المدارس، وخصصته للحديث في منهجية مقاربتها لمشروعها الإثنوغرافي.
3) هذا مستقبلكم: عسكرة أحلام الطلاب: خصصته الكاتبة للحديث في مجتمع «ملتن» وتاريخه ومن بعد في تتبع جذور البرنامج الأمني عبر إلقاء نظرة في داخله.
4) تعليم الإرهاب: نظرة معمقة في منهج المدرسة المعقد وكيف أن «برنامج الأمن القومي» يركز على أشكال محددة منه ومنها الإرهاب الزراعي والإرهاب البيولوجي والحرب الكيماوية، ما يجعل الطلاب يتوهمون بأن بلادهم معرضة لهذه الأخطار في أي وقت، ما يعني بالضرورة تأكيد الذكورية العسكرية عبر تقديس المعارف الحربية وتمجيد العنف!.
5) طالب أم إرهابي أم وطني؟: تعلم الخوف والندب والحب بعد 11/9.
تنهي الكاتبة مؤلفها باستنتاجات: التفكير على نحو مختلف في حالة الحصار، وخصصته لأفكارها عن العلاقة الدائمة بين التعليم والحرب والأمن القومي في المدرسة، وأخطار هذا النمط التعليمي على المجتمع.