الكاتب هو أحد الناشطين في مجال حقوق الإنسان، وعمل مع قناة «سي. إن. إن» ومستشاراً لمراقب حقوق الإنسان (HRW)، اعتقل في بنغلاديش بسبب نشاطه هذا، وتعرض للتعذيب على يد مخابراتها وقواتها الخاصة. سجل أن الكتابة في هذا الموضوع، الواضحة تفاصيله من عنوانه، لم يكن بالأمر السهل، وأضيف هنا القول: «إن قراءته من الأمور التي تبعث على الاكتئاب حقاً». يبدأ المؤلف بسرد بعض المذابح التي ألحقها الاستعمار البريطاني بالهند وفي مقدمتها تلك التي نفذها الجنرال دير وقواته بحق المتظاهرين السلميين المحتجين على إصدار رولت آكت عام 1919 الذي منح السلطات حق فرض حالة طوارئ لتسهيل القضاء على الانتفاضات الشعبية هناك. لندن احتفت بالجنرال بطلاً قومياً ومنقذاً.


الكاتب يقول إن التاريخ التالي لجنوبي آسيا شهد منقذين عديدين غيره. ففي عام 1983، اندلعت احتجاجات في إقليم البنجاب الهندي، وكان هنا دور الجيش الهندي في ارتكاب المجازر بحق المدنيين العزل وبحق الانفصاليين السيخ التي استمرت حتى عام 1993 وأنتجت منقذين آخرين. كما تم وقتها تمرير مجموعة من قوانين الطوارئ التي تحد من حرية المواطنين وتمنح الدولة سلطات مطلقة لمواجهة من تصفهم بالأعداء وتمنح جلاديها حصانة ضد أي ملاحقة قانونية على ما ارتكبوه من أعمال إجرامية وتصفيات ميدانية وخطف واختفاء قسري واغتصاب، مع أنّ الحكومة ادعت أنهم قتلوا في مواجهات حربية.
في نهاية المطاف، احتفت الهند بالجنرال كيه بي إس غِل، المسؤول عن قمع الاحتجاجات كونه أيضاً منقذ إقليم البنجاب ومنحته عام 1989 وساماً رفيعاً.
أما باكستان، فلها أيضاً مجموعة من منقذيها. ففي يوم 7 آذار (مارس) عام 1971، انطلقت مظاهرات احتجاج في دكا دعا إليها الشيخ مجيب الرحمن ونادى بالعصيان المدني السلمي والانفصال احتجاجاً على سياسة التمييز العنصري التي تمارسها كراتشي بحق البنغال من سكان ما كان حينئذ باكستان الشرقية. حاكم باكستان الجنرال يحيى خان أمر بالتصدي لما رآه من عصيان عبر «عملية هدى النور» بقيادة الجنرال تقي خان وهدفها القضاء على «عصبة عوامي» التابعة لمجيب الرحمن. تلك العملية كانت وفق الكاتب ومندوبي منظمات حقوق الإنسان، عربدة دموية من القتل والتدمير استمرت 48 ساعة شاركت فيها قوات باكستانية خاصة، إلى جانب الجيش الباكستان (الغربي). عند انتهاء المرحلة الأولى من قمع الحركة الانفصالية في باكستان الشرقية يوم 26 آذار، أعلن المغدور ذو الفقار علي بوتو، زعيم حزب الشعب أن بلاده أنقذت. هذا «الإنقاذ» الذي استمر حتى كانون الأول (ديسمبر) 1971، قاد إلى سقوط ثلاثمئة ألف ضحية من الباكستانيين البنغال، مع أن بعض الإحصاءات ترفع عدد الضحايا إلى ثلاثة ملايين قتيل.
يناقش الكاتب جذور العنف في المستعمرات السابقة وفق كتابات الفيلسوف الثوري فرانز فانون المرتبطة بالمركز والهامش. ويرى أن جذور هذا العنف العلني والسري في المستعمرات السابقة في «الدولة القومية الأمنية»، تكمن في حقيقة إناطة المؤسسة الحاكمة مهمة الحفاظ على النظام لقواتها المسلحة وأجهزتها الاستخباراتية وقواتها الخاصة المشكلة من المجرمين والبروليتاريا الرثة، وهي الطبقة التي سبق للاستعمار توظيفها ضد الثوار أيام الاستعمار.
كما يستعين الكاتب بالأنثروبولجي النيولندي جفري سلوكا، صاحب المؤلفات عن «فرق القتل» Death Squads، ويؤكد أنه ثمة شبكة من الدول الشمولية، تقع في العالم الثالث، توظف الإرهاب على نحو منهجي، لكن دوماً بالتعاون مع داعيمن دوليين يتشكلون من الشركات المتعددة الجنسيات والحكومات والصناعة العسكرية/ الأمنية. وفي أعلى قائمة هذه الدول الراعية للإرهاب والداعمة له تحتل الولايات المتحدة الموقع الريادي، إضافة إلى حلفائها وفي مقدمتهم بريطانيا وفرنسا. الدول الخمس محل تقصي المؤلف، الواقعة في جنوبي آسيا، وهي الهند وباكستان وسريلانكا ونيبال وبنغلاديش، تقع ضمن ذلك التصنيف أي أنها نمت من رحم النظام الاستعماري.
في الهند تمارس الدولة الأمنية قمعها الوحشي ــ برأي الكاتب ــ في الولايات الهامشية التي ضمتها إليها وتقع في شمالي البلاد. وفي باكستان، مارست الدولة جرائمها بحق البنغال في ما كان يسمى باكستان الشرقية، والآن في إقليم بلوشستان. وفي سريلانكا مارسته السلطة هناك بحق نمور عيلام والتاميل، والسكان من شبه جزيرة جفنة، والأمر ذاته ينسحب على نيبال التي ترتكب قواتها الخاصة جرائم بحق الثوار الشيوعيين الماويين وسكان القرى التي تتهمهم بإيوائهم. أما بنغلاديش، فتمارس هي الأخرى عمليات الإرهاب بحق المعارضين من البنغال المسلمين والهندوس والمسيحيين موظفة القوة الخاصة التي أنشأتها لغرض القمع.
يستعرض الكاتب على نحو مفصل مختلف الجرائم التي ارتكبتها القوات الأمنية والاستخباراتية وشبه العسكرية الخاصة التي أنشأتها الدول الخمس لمحاربة المعارضين من محاربين وأكاديميين وصحافيين وأعضاء منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان، وخطفهم واغتصابهم، رجالاً ونساءٍ، وتعذيبهم وقتلهم، تحت مختلف المسميات، سواء كانوا معارضة سياسية مسلحة كما في نيبال، أو اجتماعية، أي انتفاضات الفقراء كما يحصل في إقليم بلوشستان الباكستاني على سبيل المثال. كما يولي الكاتب اهتماماً خاصاً لدور كيان العدو الصهيوني في دعم الأنظمة القمعية وعمليات الإرهاب وفي مقدمة ذلك كل من الهند وسريلانكا، عبر توريد المسيرات المسلحة (drones) لملاحقة المعارضات ووضع خبراته في قمع الفلسطينيين بتصرف تلك الحكومتين الجنوبآسيوية.
كتاب مهم من غير الممكن حصر محتواه في هذا العرض السريع. مهم لأنه يعرض خفايا الاضطرابات التي تعصف بتلك الدول منذ عقود، وبأسس سطوتها المعتمدة إلى حد بعيد على دعم المستعمِر الأسبق، والافادة من منهجيته في قمع الشعوب نفسها.