بتوصيفٍ بسيطٍ لكتاب «سيرة الرماد» (صدرت طبعته الأولى عام 2013 عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، والطبعة الثانية المزيدة والمنقحة عام 2015)، يمكنني القول إنه إعادة كتابة قبل أن يكون فكرة كتاب. كأني ألقي حجراً في بركة راكدة، اتسعت الكتابة وكوّنت كتاباً كانت السيرة مدخلاً له. لكنها لم تكن معناه الوحيد، ولا غرضه. لهذا توارت سيرتي خلف أفكاري ومفاهيمي ومحاولاتي الشعرية، وتجربتي في الرسم... وأخيراً خلف موقفي من الوجود.


«سيرة الرماد» ليس كتاباً لتأريخ شخصي، وإن وردت فيه أرقام لسنوات هنا وهناك، فهي مجرد إشارات ورموز تشير إلى حقب تبدو كأنها جاءت من أزمنة غابرة. ليس في الكتاب وصف للواقع، ولا حتى للمكان الذي استقرت فيه الأحداث، فهو مكان سحري سرعان ما أغادره إلى مكان آخر حالما ينتهي السحر فيه.
ذهبت في الكتابة إلى ما هو جوهري، الأمر الذي لا يبرر الحشو والجسور، ولم أكن مضطراً للاستجابة لفروض الشكل. كان همي منصباً على ما يسحرني ويبقيني في الصميم. لهذا تحديداً نجد في الكتاب الكثير من التجريد، بل تجريداً خالصاً.
أمام الكتابة، واجهتُ حقيقة التشظي والتشرذم الذي ساد سيرتي. تماماً كأني أواجه خلاءً شاسعاً عثرت فيه على لقى، وإشارات مرور ما زالت شديدة الوضوح متناثرة في الأرجاء، فما كان مني إلا جمعها في مكان صغير. عملياً، أفرغت ما يحيطني من شواهد وعلامات تدلني على حياتي وعلى طريقي في البحث عنها. اكتشفت حجم الضياع الهائل الذي يحتويني. لم يكن مفاجئاً، فاعترفت بالفشل في أول صفحة من الكتاب. الفشل في استعادة حساسية الماضي، استعادة الأصوات، الروائح، الألوان، المناخ... والناس. لم يبق في ذاكرتي منها غير معاني مجردة.
عندما يطول بك الوقت على الأرض، وتنضج كما يتوقع منك أن تنضج، وتبدو أنك حسمت خياراتك مكرهاً أو راضياً، ثم اخترت أن تعبّر عن نفسك نظراً إلى إلحاح داخلي مثابر، وأنت تعيش توقعاً أن تلتقي غدك بطريقة الرسام، وليس أي طريقة أخرى، فقد تجد أنك بحاجة إلى توضيح تلك اللحظات التي صنعتك، وملأتك بيقين الرسم. هذه التي هربت من شباك المرسم، من الفراش، من بين أصابعك ورحت تطاردها، أو تلك اللحظات التي يدخل فيها التاريخ إليك في هيئة هجوم ومواجهة. وما من رسّام بمنأى عن مثل هذا الاجتياح، ولا مناص من ذلك الهرب اللذيذ نحو الحياة حتى لو كان من كوة صغيرة، أو نبش الموقد بحثاً عن بقايا جمرات عنيدة.


«مسقط رأسه» يا لها
من جملة رسمية - وجودية.
ما الذي ترتب عليها... حقيقة؟

إن الأسئلة عن الوجود، كما الأسئلة عن الرسم تبدأ في الاقتراب من بعضها البعض، والبحث يصبح بحثين متوازيين، والشكوك تنهال، والإيمان يتزعزع، والرسم الذي تعتقد أنه مثل البداهة، مثل حكة ظهر، مثل قبلة، سيفاجأ بالحياة، ومن ثم يضرب بالهواجس والتفكير، بما يشبه تصادم كوكبين.
فيما أنت تمارس الرسم، سيقول لك قرينك الغامض: إنك ما زلت في مدينة عبرتها أيام غربتك التي طالت، وأن أسرارك جاءت من مدينة أقدم منها لا مكان لها الآن... من هي؟ لكنها كانت في الحقيقة عشرات المدن التي رأيت فيها ظلي يمشي معي أو يسبقني بخطوات، أو يختفي، وشعرت بدوار، وحنين إلى الوطن والغضب منه. المدن التي علّمتني المشي إلى الأبد.
دائماً تلك الشظايا التي تمرق فيك وتنزف من أجل أن ترسم، أو تحاصرك لكي تستغرق بتفكير حزين يوصيك بالفرار من المحترف، الإخفاق في عشرات المحاولات، والاختناق بالرسم، والشعور بالخوف من أن احتباساً ما أصابك لا مخرج منه... فمن يحميك؟
«سيرة الرماد» أسست للضياع وانبرت لتحميه، سجلته وأكدت عليه، عندما كنت في أمس الحاجة إلى العكس تماماً. عندما نحصي ما بقي لدينا، يعني ضمناً أننا نسجل ما فقدناه وضاع إلى الأبد.
لا زاوية آمنة خالية من الشظايا، في الحياة وفي الرسم، يمكن الركون إليها. ما أن تبدأ حتى تكرر بدايات أخرى، فيتجدد شكك بالطمأنينة.
حاولتُ في كتابي أن أجمع الحياة والرسم لكي أستطيع أن أجد ما يشبه السيرة. عندما أقرأ «البيوغرافي» الخاص بي، هذا الذي اعتاد جميع الرسامين وضعه في كتبهم الفنية، أشعرُ بامتعاض، فها هي سيرة خالية من اللحم والدم. ما نفع كل هذا التسجيل، وما لا يسجل هو ملكيتي الوحيدة حقاً، الخفية والمبعثرة التي أعجز عن لملمتها بسهولة؟
لا فخار في هذا التاريخ وأماكن العيش... إنني أقف حائراً... لكأني مارست حياة ليست حياتي... كأني اتكئ على الهواء. ليس من التواضع، بالعكس، هو من الطموح الذاتي في أن أجد نفسي حقاً، حقيقياً، خارج الصيّغ التاريخية، غير مجرور ولا مدفوع من قوة في الخارج، في سيرة فنية تعبث بها الحياة والبيولوجيا والزمن، مبعثرة في كل مكان. ما الذي صنع لي كل هذه الحياة والاختيارات والمصادفات غير كسوة اللحم والعظام والأعصاب، وشرايين الدم، ومنافذ الحس، وهذه التي أطلق عليها بوجع: بلادي!
أتساءل في هذا السياق: ماذا يمكن للمكان الأول أن يفعل في حياة المرء؟ إنني ما زلت أراه في أحلامي، فأدرك أنني جئت من هناك، بل لعلّ بعض الشؤم أمسك بي ما أن نزل رأسي إلى العالم، ربما بعض بركة دعاء لامست شفاه أمي وهي تقذفني إلى الفراغ.
«مسقط رأسه» يا لها من جملة رسمية- وجودية. ما الذي ترتب عليها... حقيقة؟
حاولت في كتابي الأول «سيرة الرماد» الإجابة على هذا. في الكتابة كما في الرسم، حاولتُ أن أسحب فكرتي من منطقة العدم إلى منطقة الحاضر، غير أنّ للحاضر فروضه وبنيته، التي لا تسمح للمخيلة أن تبني النسيان في الزمن الحاضر. فالمخيلة، بطبيعتها، تشتغل عكس الضياع، في الوقت الذي كنت أحتاج منها أن تشتغل معه، وباتجاهه، لترسمه بوضوح، وتحدد حجمه وسحنته. لقد كنت أنفخ في رمادي بحثاً عن جمرات اعتقدتُ أني تركتها ورائي.
«سيرة الرماد» هي سيرة كائن ذهني، سيرة مخيلة عثرت على ذاتها القديمة وهي مبعثرة، مقطعة الأوصال؛ في المدن، والبحار، في الغابات والصحارى... وفي الغرف. ولا أدعي أن لديّ أهم منها، لكن من حقي الادعاء أن سيرتي الحقيقية، التي صنعتني، هي خارج هذا الكتاب، وهي سيرة قلب، والقلب، بطبيعته، بلا ذاكرة.