بغداد | كتبت صحف ومجلات وملاحق أدبيّة كثيرة عن سركون بولص (1944 ــ 2007)، ورثته أقلام وأسماء مهمّة، منذ رحيله في برلين. في هذا العدد من ملحق «كلمات»، لعلها المرة الأولى التي تجتمع فيها أسماء شعريّة ونقديّة عراقيّة من أجيال مختلفة، لاستعادة هذا الشاعر، الذي لا ينطفئ اسمه مثل حضوره المتجدّد على الورق.


المناسبة هنا هي الاحتفاء بتنوّع المنجز وبقائه مجالاً للتداول والبحث، خصوصاً مع صدور الكتابين الأخيرين له عن «منشورات الجمل»: «سافرت ملاحقاً خيالاتي» (حوارات) و«رقائم لروح الكون» (ترجمات شعريّة مختارة). في كتابه الحواري، إطلاع للقارئ على آراء سركون، وهو يتحدّث مثلاً عن توحّد الزمن الشخصي مع الزمن الجماعي في روح الشاعر، ومرور على ذكر المذابح العراقية وجناية السياسة في بلاد الرافدين على بلد كامل، وكيف تعامل مع الحدث - المأساة شعريّاً، منوّهاً بما أسماه «الفخفخة الثقافيّة» عن عدّ الشاعر رسولاً اجتماعيّاً، في حين هو جسر إلى الخلاص الشخصي.
أمّا كتابه الآخر (الترجمات المختارة)، بدءاً من العنوان الملفت «رقائم..»، الذي يحيل على النصوص السومرية ومدوّناتها، وتعدّدية الأصول الجغرافية والاتجاهات الثقافية وحتى السياسية للشعراء الذين ترجم لهم سركون وضمّهم كتابه الأخير، فنحن أمام كتاب متميّز يعبّر عن إمكانات صانع يعرف كيف ينتقي أصواتاً متباعدة وأحياناً متنافرة، ويقدّمها ضمن فترات متفاوتة في مشغل شخصي واحد عبر الترجمة.
أوّل ملمح يمكن أن يكون مدخلاً عامّاً لتفسير هذا الاهتمام الذي ناله بولص، عن جدارة، في خارطتي الشعر العراقي والعربيّ أيضاً، هو معالم الثقة التي امتلكها الشاعر، بدءاً من تقديم مشروعه ورؤاه في الكتابة ككل، إلى اختياراته الخاصّة في عناوين القصائد، أي على مستوى الجرأة في وضع عناوين طويلة وغير مألوفة على صعيد «قصيدة النثر» والمشهد الذي أبرزها منذ عقد الستينيات من القرن الماضي. وربّما تحقّق له ذلك عبر الحفر في الجمل والاشتغال على توظيفات مختلفة في النص الواحد، طارحاً أسئلة ومتأملاً بصدق الحياة التي يكتب عنها، في مقاربات ومفردات حادّة، بعضها من باب المثال، ناجى فيها الأب، وأخرى استعاد فيها صديقه الراحل يوسف الحيدري: «كلماتي المليئة بالنذائر.../ هي الأثقل من تُراب قبر أبي المجهول...»، و«بغدادُ سُنبلةٌ تشبّثَ بها الجراد/ جئتُ إليك من هُناك/ إنّه الدَمار/ قالَ لي/ وسارَ مُبتعداً...».
«محمود البريكان واللصوص في البصرة»، واحد من نصوص سركون الشعريّة التي بيّنت قدرته على تحويل الأحداث وأطياف الذاكرة إلى نصّ شعريّ يشغله السرد من أوله إلى آخره: «ويأتيني، في الجُمعةِ هذه، خَبرٌ بأنّ البريكان/ ماتَ مطعوناً بخنجر في البصرة... الله أعلم كم كلفتك تلك الأسطوانة/ من راتبك الضئيل!». وبين هاتين الجملتين وما تلاهما، شغل على تصوير فجيعة مقتل الشاعر البصري: «كلّ يوم من أيامنا.. جمعة حزينة»، «حبلُ السُرّة انقطع، وامتدّ حبلُ المراثي»، لأنّه هنا يعلّي من شأن فجيعة الموت بالطعن، ويصوّر فظاعة حلولها وجوّ ما قبلها، لكنه لا يتخلّى عن بداهة الكتابة الإبداعيّة. إزاء هذه الأمثلة، فإنّ كتاب «عظمة أخرى لكلب القبيلة»، هو الأكثر تعبيراً عن المساحة التي شغلها السرد في فضاء القصيدة. مشروع كتابي توفّر لدى الشاعر، انطلاقاً من مقدرته على كتابة القصّة، وسيرته المعروفة في الترجمة، ومتنه الشعريّ بما فيه من بناء نثريّ بليغ، ابتعد فيه عن اللعب اللغوي المصطنع.
ولنا في كتابه القصصي «عاصمة الأنفاس الأخيرة» ما يستدعي التوقّف، وبالتحديد قصّته «يجوب المدن وهو ميّت» المزيّنة بصور شعريّة: «نجري وراء سحابة الربيع... يعجز ويتشرّب عادات المدن»، حيث أغلب القصص منشورة في أعوام الستينيات، وفي هذا دليل على البداية الناجحة التي تبعثر نتاجها بين المجلات العراقيّة والعربيّة، ولم تصدر إلا عام 2015 بعد وفاته. ربّما واحد من الأحداث الثقافيّة النافعة بحق، يتمثّل في وجود «منشورات الجمل» في بغداد، التي افتتحت فرعها بعد نيسان (أبريل) 2003. فمن مكتبتها في الباب المعظم و«بسطتها» في شارع المتنبي، وصلتنا كلّ كتب سركون. كان ذلك مناسبة لإقامة صداقة جديدة مع منجزه، عمادها الكتاب الذي لم يكن ممكناً في ما سبق الحصول عليه، كي لا يبقى الشاعر منفيّاً وغريباً ــ حياتيّاً وورقيّاً ــ عن أهله وقرّائه.