«منشورات الجمل» تصدر عملين جديدن له: سركون بولص... كيف ننهض بعد الطوفان؟


عندما تعرّفتُ، لأول مرة، إلى شِعر سركون تعرّفتُ إلى الألم المصفّى، النقي والمشع، وعندئذ عرفتُ، بل أيقنتُ، أن الكتابة عناء، أو هي جرعات مركزة من المشقّة. هناك قصائد له، تبدو مغلقة، لا تمنح نفسها بسهولة، لكنها سرعان ما تصبح يسيرة. حدث هذا ــ مثلاً ــ مع قصيدة «حانة الكلب» التي حيّرتني طويلاً، إلى أن وجدتها مكتنزة بالمعنى، ممتلئة بشعر الحياة، بعدما أتيح لي قراءة رواية «على الطريق» لجاك كيرواك، التي أصدرتها «دار الجمل» أيضاً. بل إن مفردة اللؤلؤة، كما يكررها كيرواك في الرواية، تلمع وتشع في شعر سركون أبداً.

هكذا فشِعره، وخاصة مجموعته الأخيرة، شعر إحالات ثقافية وحياتية متنوعة، وأبطاله ــ إن صح التعبير ــ خارجون من معطف الكتب تارة، ومن معطف الحياة الشائكة والشاقة التي عاشها وحده، تارة أخرى. أما على صعيد التقنية فهو ينتفع كثيراً، وكثيراً جداً، من التقنيات السينمائية: التقطيع واللصق خاصة، كما أنه يستخدم كثيراً تقنية الفراغ في قصائده.
لا أزعم أنه ينفرد بذلك، لكن هذه مفاتيح مهمة لقراءته، وهي ــ في الوقت نفسه ــ إشارات ضرورية لمن يعتقد ــ هذا ما يقال همساً، أحياناً ــ أن سركون بولص نال أهمية أكثر مما يستحق، بل إن بعضهم يرى أن الاهتمام به ينطوي على دوافع دينية، كونه من الأقلية المسيحية، وليس بدوافع شعرية أو إبداعية. سوء الفهم هذا، وبالتالي سوء التقدير، لا ينطلق من رؤية نقدية منصفة، ليس لغياب النقد فقط، وإنما لأن تاريخ الثقافة العراقية، وتاريخ قصيدة النثر العراقية بالذات، الذي يُعد بولص من روادها، ما زال مرتبكاً وملتبساً، كما أن بولص لم يكن مهتماً بتسويق نفسه، بل لم يكن مهتماً بالأثر الذي يحدثه شعره، بقدر الاهتمام الذي كان يوليه إلى مهمة تحويل اللحظة العابرة إلى حلقة من حلقات الأبد. يتضح ذلك في الحوارات التي ضمها كتاب «سافرتُ ملاحقاً خيالاتي»، وهو كتاب ينفع كثيراً في تفسير وفهم عالمه المتعالي والشائك، كما أنه يلقي الضوء على مناخاته الشعرية، وعلى خلفياته الثقافية والحياتية، تلك الخلفيات التي يدور في فلكها شعره.
أهمية استعادة بولص، بكلام آخر، تكمن في محاولة القبض على تلك اللحظة الجوهرية في حياة كل شاعر أصيل، أعني: محاولة العيش قريباً من هواجسه الداخلية، أو في كنف التجربة الشخصية لشاعر لم يتورط بلعبة الإعلام، ولا بلغة مجتمع العلاقات الثقافية. زهدٌ وتعففٌ، بمعنى الكلمة، يقابله بذخ جمالي في الكتابة، الشعر، والأحلام: كرمٌ فائض من لدنه، يقابله جحود ونكران من لدن الثقافة العراقية أولاً، والعربية تالياً.
مع ذلك أنا أعتقد أن أكثرَ مَن يعرف سركون بولص هم قرّاؤه الخُلّص، وهنا لا يبدو مهمّاً عدد عشيقاته، أو المدن التي عاش فيها، أو ديانته، أو طول شَعره، أو عنوانه... بقدر ما يهم ما يتجلى من ذلك في نصوصه. ولعل الحوارات معه، فقرات السفر مثلاً، تكشف عن الكثير عن مخبوءات وأسرار شعره، وخصوصاً تلك الثيمة الأساسية في جميع كتبه: «الهرب إلى الأمام، دائماً»، وهو ليس هَرب الضحية من جلادها، يا للدهشة، بل هرب السيد: تخليه عن مقاطعاته وملكيته، توقاً إلى حرية أكبر، ومن ثم وقوع هذا السيد في فخ العبودية ضمن طغيان أكبر من طغيان العراق وقتذاك، أعني: في الطغيان الرأسمالي، والوجه البشع لأميركا الوجهات الرسمية، ما مهّد له نحو الحافز الجمالي الأهم، الذي دمغ به شعره: الهرب نحو شوارع الثقافة الخلفية، وأعني الانغماس في تجربة جيل «البِيت» الأميركي، وتماهيه معهم، حتى نهايته الظافرة.
* شاعر من العراق