«منشورات الجمل» تصدر عملين جديدن له: سركون بولص... كيف ننهض بعد الطوفان؟


حوار الذات

كولالة نوري
تجربة سركون بولص، تجربة ثرية بنفس شعري عميق لا جدال عليه. هذا أولاً، رغم عدم اهتمامه الكبير بالزخرفات في اللغة. كتاباته طبق من شعر الحياة لا تستطيع إلا أن تتناوله بشغف؛ لما تحس به من أنك جزء من هذه التفاصيل. السرد الشعري في نصوصه أكثر ما شدني، حوار الذات لكي يكون منطلقاً نحو حوار الآخر وما يحيطه. حوار الذات لم يكن نرجسياً بقدر ما كان خلاصة لتجاربه الحياتية ومخاوفه وانكساراته وانتصاراته القليلة وفهمه العالي لمتطلبات كتابة الشعر. وشدني حوار التاريخ والمكان معه، جعلني أهتم أكثر بقدرة المكان على خلق الشعر، وشدني أيضاً حزنه الصامت المنزوي الغامض أحياناً، ولو كان يكتب بصخب كأنه ينتظر مجيء الموت في أي لحظة.

بنية تائهة

سليمان جوني
إذا كان السياب أجاد استعمال الأدوات التي اشتغل بها لهدم الشكل القديم للقصيدة العربية ومن ثم إعادة صياغة قوانينها، فإن سركون بولص كان على النقيض منه، فهو يعرف أنه يهدم ولكنه لا يعرف الأدوات التي ينبغي أن يستعملها أو الشكل الذي يمكن أن ينتج على أنقاض. وهذه المعرفة وعدم المعرفة، لها علاقة بشكل النموذج بين الحياتين أو الشكلين الشعريين. ففي حين تعتمد قصيدة التفعيلة على بنية قانونية صارمة لها علاقة بنسق موسيقي معين، فإن قصيدة النثر التي مارسها سركون كانت تعتمد على بنية لا تعرف طريقها، وكل ما تعرفه هو تيهانها، أي بعبارة أخرى تمارس نوعاً من الهدم غير المنظم والبناء غير المنظم في الوقت نفسه، وبذلك فهي لا تحتوي على قوانين ملزمة لشعراء آخرين.
وهاتان المرحلتان من الشعر العربي هما من مارس هيمنته علينا منذ السنوات الستين الأخيرة، ويكاد لا أحد يفلت من هاتين الثنائيتين، وبما أنني أمارس ما اصطلح عليه بقصيدة النثر، فإنني أجد نفسي في ذات الطريق الذي سار عليه سركون بولص، أي أنني أمارس الهدم وإعادة التشكل من خلال قوانيني الخاصة التي تعنيني فقط، وليس بالضرورة أن تكون قوانين سركون بولص أو حتى غيره مُلزمة لشاعر آخر، ميزة قصيدة النثر أنها تعطيك الحرية في الابتكار من دون أن تتحرج من الخروج عن النسق العام الذي يشكل بنية القصيدة، فرغم أنه ممكن أن توحي من الخارج باحتوائها على قوانين صارمة، إلا أنها من الداخل هشة وبالإمكان التلاعب بها لخلق النموذج الذي يناسب طبيعة النص نفسه إضافة إلى طبيعة الشاعر. والدرس الأهم الذي يمكن أن نخرج به من تجربة سركون بولص أن ممارسة الشكل الجديد للنص لا يمثل جريمة، ولم يعد من المجدي البحث عن محامٍ (المنظر) للوقوف أمام قضاة القانون القديم، فهو قد ألغى هذه الوظيفة وإلى الأبد.


حفر بيدين عاريتين

علي محمود خضيّر
يظلُ منجزُ سركون بولص الشعري مجالاً جاذباً للدراسة والتمحيص والتأمل، ليس لأن الشاعر يقفُ في صدارة الأسماء التي حملت هم تطوير القصيدة العربية الحديثة شكلاً ومضموناً فحسب، بل لسعة الأسئلة التي يطرحها المنجز نفسه على القارئ، السؤال الخالق للمعرفة بالتحديد. لم يسع سركون لصنع تيار وحركة أو أن يقدم نفسه عراباً بقدر ما جعل شعره مختبراً مستمراً يطور فيه قصيدته بدأبٍ وإخلاص كبيرين، فحفر في عمق الجبل بيدين عاريتين. لطالما تأملت انهماك سركون بتطوير لغته التي يكتب بها وصرامته بنحت الجملة الشعرية وسبك عبارتها. قدرة سركون العالية على تأمل وتمثل مفردات الحياة وتحرير طاقتها الكامنة، وهو ما عبر عنه بشكل دقيق في إحدى حواراته «العالم في النهاية مفردات... لكل منها خزان للأفكار والمشاعر التي أنت حر لاحقاً أن تفعل بها ما تشاء». لكن الدرس الأهم - بظني - يكمن في أنه كان يعيش الشعر في حياته اليومية، تجربة وإجراءً ملموساً، بلا نزق فارغ وادعاء بشهادة من عاصروه. منهمكاً بتعميق نسيج قصيدته، معلّياً من سقف أطروحته الفنيّة بهدوء حارس الليل وفطرة راعي السهوب.