«منشورات الجمل» تصدر عملين جديدن له: سركون بولص... كيف ننهض بعد الطوفان؟



في 2007، عندما غادر سركون بولص الحياة، كنت في التاسعة عشر، وأكاد أجزم أن أحدّاً لم يرثه بمقالة بأسوأ مما رثيته. أخاف الآن حتّى أن أعود لأقرأ ما كتبت. تلك جريمة ارتكبتها، وأحاول طلب الغفران في كلّ مرّة أعيد فيها قراءة كتب سركون الشعريّة الستّة، فضلاً عن ترجماته المميّزة، التي منحت معنى آخر، مثلاً، لآلن غينسبرغ الذي بدا شاعراً عاديّاً بترجمات أخرى.

إلا أني، على الرغم من خجلي من ذلك المقال، أحاول أن أجد مبرراً لنفسي... للفتى الذي كنته، المعجب بتراكيب سركون اللغوية، ببناء نصوصه، وجرسها الموسيقي، وعوالمها الزاخرة بالتفاصيل. تفاصيل تلي أخرى تركّب مشهداً درامياً مثل قصيدة «إلى الحالمين في ليلة ماطرة». أظل أنا الفتى أعيد تركيبها على هواي مثل المكعبات، لأخلق عالماً موازياً داخلها. عالم أستطيع استيعابه، غير عالم سركون المركّب والمليء بالإحالات.
ومبرري لحماقتي بكتابة مرثيّة سطحيّة عن سركون هي وعورته الشعرية. ليس سركون شاعراً سهلاً أبداً، على الرغم مما يوحيه في بساطة بعض نصوصه، أو حتّى في عناوين كتبه مثل «الأول والتالي» وهو الذي يكاد يكون جملة عادية في المعجم العراقي اليومي. إنها نصوص لا تخدع، لا تراهن على الصورة الغرائبية والجملة المكثفة والصدمة، وإنما على طبقات من الصور المركبة والاستعارات والإحالات.
ومما يزيد الولع بشعر سركون والاستمرار في إعادة قراءته واكتشافه، هو تفرّده الكامل، وخلوّ قصائده من أصداء شعراء آخرين. ويعدّ سركون من القلّة الذين يكتبون قصيدة نثر. لم يقع في مهاوي التأثير، على العكس مما حصل مع شعراء كبار آخرين، إذ تظلّ نغمات النصوص، والمترجمة منها على وجه الخصوص، تعزف داخل نصوصهم، ما يحيلها - في بعض الأحيان- على حفلة صاخبة تضرب بها صنوج الشرق والغرب بلا هوادة.
وإذا كانت قصائد سركون منفلتة من أيِّ تأثير، فإنّها أيضاً ــ رغم صرامتها البنائية ـــ حرّة تماماً.


نصوص لا تراهن على الغرائبية والجملة المكثفة والصدمة، بل على طبقات من الصور المركبة والاستعارات والإحالات
وسركون يكتب أيضاً عن أي شيء، وبخلطته العجيبة، يحيل اللاشيء هذا على «شيء» محكم، تتعاطف معه، وتعيد النظر إليه وفهمه من جديد، كما في قصيدة «بورتريه للشخص العراقي في آخر الزمان» من ديوانه الأخير «عظمة أخرى لكلب القبيلة»، وموضوعها لو كتبها شاعر آخر غير سركون، لبدت مرثيّة خائبة لبلاد تناهبها الغزاة، بمعزل عن الإنسان الذي بداخلها، أو لبدت مثل مرثّيتي الأكثر خيبة في رثائه.
وليس مستغرباً أن يُرِّحل سركون هوسه القصصي في بداياته إلى شعره. بالرغم من المساحة الضيّقة في الشِّعر وشروطه الكثيرة، وأهمّها الكثافة والإيجاز، إلا أنّ سركون لا يكفُّ عن خلق شخصيّات داخل قصائده. يمنحها لحماً ودماً وظلالاًوأزمات ومشكلات، وتعقيدات نفسيّة، على سبيل المثال في قصيدة «سقط الرجل».
وإذا كان سركون متنبّهاً وعالماً بكل تفاصيل الكتابة، فلا بد من أن يكون لديه التزامه السياسي داخل الشعر. غالبيّة قصائده فيها الكثير من الإدانة السياسيّة. لقد منح هذا المنفي العالمي معنى آخر للسياسة في الشِّعر. تجاوز الفضاء الأيديولوجي المباشر الذي كتب فيه الشّعراء الذين سبقوه بإنشاء، وأعاد خلقه من جديد بلغة عاليّة تترفّع عن اليومي الذي تكنسه الأحداث: «من يوقف العالم عن الانجراف/ أو يسد من أجلنا باب القيامة، بأية صخرة؟/ لا أحد».
وعلى صعيد شخصي، شعرت بتوبيخ عميق مجدداً بسبب المرثية البليدة التي كتبتها، بعدما قرأت كتاب «سافرتُ ملاحقاً خيالاتي» الصادر منذ فترة عن «دار الجمل». كتاب يجمع أهمّ الحوارات التي أجريت معه. وهناك، وجدت فرصة أخرى لإعادة قراءة كتب سركون التي تحوّلت إلى أناجيل، أينما ولّيت وجهي آخذها معي، علّني أحظى بالغفران، علّني أكتشف جديداً كلّ مرة، وهو فعلاً ما تسمح به هذه الحوارات التي يتحدّث فيها سركون عن مداخل مهمّة إلى شعره وترجماته... وحياته... حياة الشاعر التي تبدو قصيدة لا نهاية لها.
* شاعر من العراق