كنا في باحة المدرسة، نردد غالباً في ما بيننا، في أثناء الاستعداد لحصة الامتحان الشفهي للمحفوظات الشعرية، اسم صاحب القصيدة ونظنه جزءاً لا يتجزأ من المقطوعة. وبالرغم من أنَّ المعلم يصحح لنا في كل مرة بأن لا داعي لذكر اسم الشاعر بعد إتمام سرد القصيدة، إلا أننا نصرّ على ذلك في أثناء تلك البروفة التي لا بد منها.


ربما كان الأمر بمثابة الإشارة الضمنية إلى انتهاء المقطوعة، وربما لأن بعضنا قد ورث ذلك من حقبة الكتاتيب التي كان المؤدب يلزمنا فيها بذكر عبارات خارج متن النص القرآني على شاكلة «صدق الله مولانا العظيم» بعد تلاوة الآية أو «متفق عليه» بعد الانتهاء من رواية الحديث النبوي. أقف الآن عند عناوين أُدغمَ فيها اسم الشاعر باسم القصيدة في أذهاننا، وحفظتها ألسنتنا الطريّة دون فاصلة ولا إشارة ولا تفريق مثل «أرملة معروف الرصافي» أو «إذا الشعب أبو القاسم الشابي» أو «ملك الغربان أحمد شوقي» أو «النهر المتجمّد ميخائيل نعيمة».
بدأت أكبر وأسأل عن هذا الاسم الذي يذيّل النص المقروء على الورق ثم يغيب ذكره في أثناء «التسميع»، في تواطؤ واضح بين الأذن والعين، بل وغالباً ما نسخر عند انتهاء القصيدة من المؤلف بتعليقات صبيانية إن كان في إيقاع اسمه ما يثير بعض الغرابة، وهو سلوك عادة ما يبدع فيه الكسالى أكثر من غيرهم.
بدأت أدرك أنَّ الكتب ليست المصاحف وحدها ــ التي تحظى بتبجيل خاص ــ توضع في أعلى الرفوف وأطهرها، ولا يقرأ منها إلّا بعد طقوس خاصة تبدأ بالتوضؤ، ومن ثم التزام وضعية جلوس توحي بالخشوع. كذلك فإني اكتشفت أنَّ للمصحف وظيفة أخرى تتعلق بالقسم والحلفان في أثناء الخصومات والمشاجرات، فتحسم الأمور مرة واحدة وإلى الأبد.


التأليف المسرحي ظل بالنسبة
إليّ ضرباً من استخدام الممثل كقلم والخشبة كورقة


اكتشفت أنَّ الكتب ليست تلك التي نحشو بها حقائبنا المدرسية، نفتحها مرغمين وتزدحم فيها أسماء مؤلفين بمقتطفات تخدم محاور ومواضيع لا يمكن أن تلتقي إلا في هذا الكتاب المدرسي ذي الألوان الموحدة التي تفقد نضارتها يوماً بعد يوم. إنها تشبه برنامجاً صباحياً على قناة تلفزيونية تحاول إرضاء جميع الأذواق. توقفت عند شيء يسميه الناشرون والمصممون وعمال المطابع «كعبية الكتاب»: مساحة مستطيلة بحسب سماكة الصفحات، تضم اسم المؤلف والعنوان والناشر، وهذه الكعبية هي طريقة مهنية لا بد منها في رفوف المكتبات العامة والخاصة ذات المطبوعات المصطفة والواقفة، كذلك فإنَّ لها «وجاهة» تبعث على الاعتزاز وتفتقر إليها الرفوف المتواضعة والكراتين المغبرّة والمهملة.
شغفي بكعبيات الكتب جعلني أفضّل المصنفات السميكة والوقورة، على تلك المطبوعات الورقية النحيفة مثل الوجبات الرخيصة في الشارع، التي كنت ألتهمها يومياً، بل كنت أقرأ بعضها وأنا أجلس القرفصاء على الرصيف.
صار اقتنائي للكتب يكبر وينتفخ في حالة المباهاة أمام أقراني، ولم يعد الشابي والرصافي ونعيمة وغيرهم، مجرد ماثلين بمقتطفاتهم القصيرة في كتاب القراءة، بل صاروا من سكان مكتبتي التي تقع أسفل رفّ المصاحف وكتب التفسير والفقه. لكن زيارتي لدكان تجليد الكتب مكنتني من المضي في جمع وتجليد أكثر من كتاب في مصنف واحد، وبكعبية عريضة تحمل اسمي إلى جانب المتنبي وشكسبير والشهرستاني. هكذا ومن دون أي فرز منهجي أو تصنيفي.
لا أظن أحداً في الدنيا لا يرغب في قراءة اسمه على كعبية كتاب مهما كان محتواه، خصوصاً إن كان من تأليفه، وليس بخط عامل تجليد، أي كتاب من لحمك ودمك وجهدك وليس كتاباً «بالتبني».
وضع اسمك على كتاب ألفته يشبه إصرارك على إنجاب ذرية صالحة ومن صلبك. فما أقسى الحقل العاقر، وما أبشع النسل الفاسد!
سافر بي الحلم الذي يجب أن يتحقق، بعد الكثير من «البروفات» المتمثلة في وريقات أثبتها بخرّازة ومررتها على صديقات المراهقة متباهياً أمام أقراني، فالتباهي بتأليف كتاب أمام زميلة المدرسة، هو حتماً أهم من التفاخر ببنطال أو حذاء أو حتى بمرجع أدبي قادم من مشغل عامل تجليد، يخط اسمك على الكعبية بأحرف أبرز من اسم المؤلف إذا دفعت له دراهم أكثر.
شعوران متناقضان يزيدان من إصراري على تأليف كتاب: الأول انبهاري بمؤلف، والثاني استهجاني لمحتوى كتاب أراه متواضعاً.
أمر آخر هو في غاية الشعبية وتلوكه العامة باستمرار، وهو قولهم «انظروا إلى ذلك الرجل، لا تهزأوا من هيئته... إنه يؤلف الكتب». حرّض هذا خيالي وجعلني أفكر في الهيئة التي يجب أن تكون عليها صورتي في الكتاب، ما زاد من طول وقوفي أمام المرآة ومحاولة تفردي بـ «بروفايل» يخصني... كأن من نوافل الأشياء أن تكون لك صورة على غلاف الكتاب... حتى وصل بي الأمر إلى التفكير في الصورة قبل محتوى الكتاب العتيد.
العنوان أيضاً، معضلة أخرى لا تقلّ إثارة عن الصورة، بالإضافة إلى متممات أخرى لا بد منها كالمقابلات الصحافية وحفل التوقيع وحتى الادعاء أنَّ فلاناً قد سرق مقطعاً من كتابي في الفقرة كذا من الصفحة كذا. كذلك فإنّ الترجمة قد تضر بالمعنى الذي أردت إيصاله.
عزمت على إصدار «غلاف كتاب» ولم يبق لدي إلا التفكير في محتواه. «بسيطة فكل تأخير فيه خير»، فكثرة القراءة بدورها تزيد من أمرين هما على حد نقيض: الأول هو الاستسهال والاستعجال. أما الثاني فهو التردد والتوجس، لكن عليّ أن أنجز كتاباً كما ينجز الواحد بيتاً وأسرة. لن أبالي بخيبة المسعى، فندمك على ما فعلت أهون بكثير من ندمك على ما لم تفعل.
ساقتني الأيام ولم أسقها، سافرت إلى سوريا لإتمام الدراسة والتقيت بكتّاب ومؤلفين، كنت أزاحم أسماءهم على كعبيات الكتب في مكتبتي الصغيرة، انبهرت بهم أول الأمر ثم وصلت بي «وقاحة الطموح» إلى الاختلاف معهم وانتقاد كتاباتهم.
توجهت إلى المسرح وأسست فرقة «الرصيف» التي كتبت كل نصوصها، لكن التأليف المسرحي ظل بالنسبة إليّ ضرباً من استخدام الممثل كقلم والخشبة كورقة. إني أبحث عمن يقرأ كتاباتي لا عمن يشاهدها، فحتى كبار الممثلين الذين كنت منبهراً بهم، صاروا يشتغلون معي وأنتقد أداءهم في التمارين بقسوة. كلما حضرت حفل توقيع كتاب، أهمس لنفسي: «يجب أن تصدر كتاباً يلمس ويشم ويحفظ على الرفوف، وليس مسرحاً يشبه النحت على الريح».
جاء اليوم الذي قال لي فيه صديقي ونديمي الفنان التشكيلي الخارج عن كل الأطر، باسم صباغ: «يجب أن تصدر كتاب شعر»، فعزمنا وتوكلنا: هو بسرعة ورشاقة عزفه على الكيبورد، وأنا بالاسترخاء، والتذكر الذي تحرضه حادثة أو زجاجة أو طرفة أو حسرة.
أنجز الكتاب في وقت قياسي، وزادت عليه براعة باسم في التصميم والإخراج والتحريض الذي هزم كسلي، فدفعنا به وبسرعة تقطع الطريق على التراجع والمزاج، إلى ناشر صديق ومحب هو سعيد البرغوثي، صاحب «دار كنعان»، الذي وجدته متحمساً لإصداره أكثر مني.
الجديد أنَّ الكتاب جاء على شكل نصوص تقترب من الشعر وتشاكسه في مشهده المعاصر، حتى وصفه نقاد كثيرون بـ «المفاجأة»، واحتفى بي الجميع شاعراً أمام «غيظ الشعراء» وغياب أصدقاء المراهقة وأمي وأبي.
أقمت حفل توقيع بثياب وهيئة و«لوك» لم يكن في ذهن مخيلة المراهقة، وسمعت أناساً يرددون مقاطع لي ثم يلحقون اسمي بها مباشرة.
الآن، لا أمتلك أي نسخة من كتابي الأدبي الأول الذي لم أعترض على ترجمته، ولا أستمتع بالنظر إلى اسمي على كعبيته كما أستمتع بقراءة مقطع مسروق منه على شبكات التواصل. وما زلت أمنّي نفسي باعتماد مقاطع منه في مناهج التعليم الحديثة. إنه كتابي «الجار الثامن»، وحتى هذا العنوان لم يكن يخطر في بالي في أثناء مراهقتي المشغولة بهموم صغيرة.