دمشق | عملية مستمرة من خلط الأوراق قبيل عقد الجولة الخامسة من محادثات جنيف، شهدها الميدان السوري في الأيام القليلة الفائتة. محاولات المسلحين المستمرة للضغط على نقاط الجيش السوري في حي جوبر، بهدف التقدم شمالاً لم تتوقف. بوصلة مسلحي «هيئة تحرير الشام» و«فيلق الرحمن» تشير إلى حي القابون المشتعل، الذي كان الجيش قد بدأ عملية عسكرية فيه، مطلع الشهر الجاري.


اليوم الرابع على بدء الهجوم المعزّز بـ«الانغماسيين» كانت وتيرة اشتباكاته أخف من قبل، وبدأت تخفت حدة الاشتباكات بعد صدّ الجيش لهجوم المسلحين نحو نقاطه، ثم تعزيز دفاعاته في محيط منطقة العباسيين وأطراف جوبر.
ومع لجم تقدم المسلحين في دمشق، كان ريف حماة الشمالي يشهد هجوماً عنيفاً للمسلحين، أعاد سيناريوات نفذها المسلحون مطلع أيلول من العام الماضي. وأحرز الهجوم تقدماً سريعاً على عدة محاور، من دون تمركز وتثبيت عسكري فيها. وأكد مصدر ميداني أن فجر أمس شهد انقلاباً في معطيات الأرض لصالح المسلحين، وخلال ساعات من الهجمات العنيفة خسر الجيش عدداً من النقاط المهمة، أهمها بلدتا صوران وخطاب ورحبتها العسكرية شمالاً، وقريتا الشير وأرزة شمال غرب المدينة، وتلة الشيحة الاستراتيجية القريبة من مطار حماة، والتي تكشف طريق محردة ــ حماة. ووفق المصدر، فإن التطورات الأخيرة أدت إلى قطع هذا الطريق، فيما منع صمود نقاط الجيش في قرية الشيحة من قطع طرق مصياف ــ حماة، حتى مساء أمس. ولفت المصدر إلى أن معركة ريف حماة «محورية»، لكون المدينة وريفها يشكلان شريان الإمداد الرئيسي للقوات السورية المتمركزة في حلب، ونقطة ربط بين مختلف الجبهات العسكرية في سوريا.
وشهد أمس أيضاً وصول تعزيزات كبيرة إلى مطار حماة العسكري، من بينها قوات من «الفيلق الخامس»، المشكل حديثاً، بهدف إنهاء الهجوم واستعادة النقاط التي خسرها الجيش في المنطقة، إلى جانب تخفيف الضغط على قرى قمحانة ومدينة محردة، التي تشكل واحدة من أقوى خطوط الدفاع في ريف حماة.
بالتوازي مع هجوم المسلحين في ريف حماة الشمالي، فقد استهدفوا من مواقعهم في الريف الشمالي الغربي لحماة، الملاصق لجبال الساحل السوري، ريف اللاذقية التابع لمنطقتي القرادحة وجبلة، بعدد من القذائف الصاروخية، التي سقط معظمها في أراضٍ زراعية، بالتزامن مع قصف من ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، طاول عدداً من القرى في ريف المدينة.
وكان لافتاً، تحرك المسلحين المحاصرين في جيب تلبيسة والرستن في ريف حمص الشمالي، وعلى رأسهم مسلحة «حركة أحرار الشام»، بالتوازي مع هجوم حماة، في محاولة لقطع الطريق الواصل بين مدينتي حمص والسلمية.


قد ينتهي هجوم العاصمة بفرصة لعملية واسعة تنهي التهديد كلياً

وبالعودة إلى محيط دمشق القريب، أكدت مصادر ميدانية أن أيّ تقدم من جوبر باتجاه العباسيين يتطلب توغل المسلحين في منطقة المعامل شمال الحي، وهي منطقة مكشوفة أمام القوات السورية. ولفتت المصادر إلى أن الارتباك الذي ساد المنطقة التي تعجّ بالمدنيين في أحياء العباسيين والقصور والتجارة والعدوي، ولّى تدريجياً، في ظل رفض أعداد كبيرة من المدنيين إخلاء المنطقة والخروج من منازلهم، رغم المعارك القريبة.
وفق المصادر نفسها، فإن الجيش يواصل استعادة النقاط التي خسرها أخيراً، وسط اشتباكات عنيفة تتركز على محور المعامل، شمال غرب الحي، في ظل محاولاته توسيع طوق الأمان في محيط شركة الكهرباء، وفرض قوس ناري على خطوط إمداد المسلحين باتجاهها. وتضيف المصادر أن محاولات المسلحين تتواصل بدورها، للعبور من منطقة سادكوب، وإحداث خرق دفاعي جديد في صفوف الجيش، وهذا ما تتعامل معه القوات السورية، بوصفه «جزءاً من أمان العاصمة، وهو خط أحمر».
ووفق تقديرات هذه المصادر، فإن «خسائر المسلحين قُدّرت بقرابة 200 قتيل، وتراوحت ما بين قتلى خلال الاشتباكات، وآخرين جراء الاستهداف الصاروخي لمعاقلهم ولخطوط إمدادهم في عربين وزملكا، اللتين تعتبران رئتي مسلحي جوبر، نحو عمق الغوطة الشرقية». ورجّحت أن «محاولة المسلحين قلب ميزان القوى في العاصمة السورية ستفتح الباب أمام فرصة بدء عملية عسكرية واسعة، قد تنتهي بتسوية تضع حداً نهائياً للوجود المسلح في جوبر، وتنهي الخرق الذي يتهدد العاصمة كل مرة».
ورغم الهجوم العنيف على العاصمة، وإمطار جميع أحيائها السكنية بالقذائف الصاروخية، فإن معركة «يا عباد الله اثبتوا»، وفق تسمية المسلحين، لم تحقق أياً من أهدافها، بل ساهمت في استنزاف قوى مسلحي الحي الدمشقي، وهو أمر يمكن ملاحظته من دعوات ومناشير يوزعها «فيلق الرحمن» في بلدات الغوطة الشرقية، بهدف تحفيز المدنيين وفصائل مسلحة أُخرى على الانضمام إليه في معركة جوبر، وذلك بالتوازي مع معلومات تحدثت عن تحضيرات «جيش الإسلام» لخوض المعركة، لمصلحة مسلحي «فيلق الرحمن».