يطالب البعض بضرورة إقرار قانون جديد للصيد... ولكنني لا أجد في ذلك حلاً. فالكثير من الناس وأولياء أمرهم من قيادات وسياسيين والذين يوكل إليهم تطبيق القانون من هيئات قضائية وأمنية لا يحترمون القوانين.


فكيف سيتم تطبيق أي قانون صيد، قديماً كان أو جديداً، في الوديان والجرود والتلال... والسلطة عاجزة عن تطبيق قانون السير قديماً أو جديداً على الشوارع والطرقات؟ هل ستقوم مثلاً بوضع كاميرات ورادارت في مناطق الصيد؟ هل بالإمكان ضبط الصيادين من السلك العسكري والطبقة السياسية وأزلامهم الذين يستثنون أنفسهم دائماً من تطبيق القانون؟

تهشيم صورة «الصياد»

المطلوب إظهار الصورة الحقيقية البشعة لكل من يسمي نفسه «صياداً»، حتى تتهشم الصورة الوهمية التي تجذب الشباب إلى «هواية» كهذه.
الصيد فعلياً هو أحد العادات السيئة التي انتشرت في بلادنا مثل السيجارة والأرجيلة والتمتع بإزعاج وإقلاق راحة الناس. (ليذكر لي أحد عادة حميدة انتشرت عندنا!) الصيد من رواسب المجتمعات البدائية التي كان فيها الرجل بحاجة إلى صيد الطرائد لإطعام عائلته. فهل نحن بحاجة إلى هذا اليوم (الطعام المتوفر أرخص من كلفة صيده)؟
لا يعدو الصيد كونه «هواية» تخريبية وتدميرية لا تنمّ إلا عن نفسيات تدميرية تخريبية. وللأسف يورثونها لأبنائهم (وبناتهم أحياناً) منذ الصغر، وكم نعرف من عائلات ذهب من أفرادها ضحايا لحوادث داخل البيت أو في رحلات الصيد. أليس من الأجدى تعليمهم احترام طبيعتهم وبيئتهم وإرشادهم إلى هوايات خلاقة إبداعية (وما أكثرها) تنميهم جسدياً وذهنياً؟
ما هو المفيد؟

هل قلتم الصيد مفيد للبيئة والاقتصاد؟

قد تصل كلفة البنادق وباقي مستلزمات الصيد والكلاب في لبنان إلى مئات ملايين الدولارات، بالإضافة إلى شراء وتشغيل سيارات الدفع الرباعي بمحركاتها الضخمة مستهلكة للوقود بشراهة وملوثة لهوائنا. يخلف الصيادون وراءهم ملايين من الخراطيش البلاستيكية الفارغة، كأن البلد لا ينقصه نفايات! ثم هل أحصى أحد كمية الرصاص المرشوش في كل مكان الذي يلوث مياهنا السطحية والجوفية؟ لو أطلق كل صياد 100 طلقة في السنة ستصل كمية الرصاص في البيئة إلى 1500 طن سنوياً. وما ستكون عليه الكمية بعد إن مرت عشرات السنين على هذه الحال؟

«فوق الدكة شرطوطة»

بعض الصيادين يحضرون الخرطوش يدوياً، فهل نعلم مدى تلوثهم هم وبيوتهم بهذه المادة؟ تبتلع الطيور الحية حبات الخردق على أنها بذور نباتية ما يسبب لها وللسلسلة الغذائية كلها مشاكل صحية متنوعة.
يدعي الصيادون أن الصيد يحدّ من تكاثر الآفات في الحقول والطبيعة. من أوكلهم بهذه المهمة؟ على أي حال، من أين لهم بالمعطيات التي تدعم ادعاءاتهم؟ أليس في الطبيعة من وسائل ذاتية تؤدي إلى التوازنات المطلوبة؟ كيف سارت الأمور في الطبيعة قبل أن يظهر علينا هؤلاء المخلّصون لينقذونا بأعمالهم وإنجازاتهم؟ إذا كانوا بهذا الحرص فما الذي يؤخرهم عن تنظيم رحلات ونشاطات لاصطياد الجرذان والفئران وغيرها عندما تدعو الحاجة؟
يمعن الصيد العشوائي بقتل الطيور الجارحة وآكلات الحشرات وحيوانات أخرى تعتبر عدواً طبيعياً للآفات التي تؤذي الأحراج والمحاصيل، ما يؤدي إلى تفشي هذه الآفات المؤدية إلى خسائر كبيرة اقتصادية وبيئية تتفاقم مع استعمال (عشوائي أيضاً) لمبيدات تفتك بمكونات الطبيعة كلها، «وفوق الدكة شرطوطة»، كما كان يقول الصيادون. تتزايد في مواسم الصيد أيضاً احتمالات حدوث حرائق حرجية ناتجة من مواقد التدفئة والشواء والسجائر وفحم الأراجيل ويتطابق بدء مواسم الصيد مع فترة حساسة بعد فصل الجفاف تتزايد فيها احتمالات الاشتعال.

هل قلتم رياضة؟

أي رياضة بقيت في سلوكيات الصيادين هذه الأيام؟ يقفون أو يجلسون لساعات (مع أرجيلة!) بانتظار أن يمرّ الطير أمامهم. ومنهم طبعاً من يضع تسجيلات تجلب الطيور وأحياناً قرب البيوت أو على أسطحها، ويبدأ بعضهم صيد الصباح من شبابيك غرف نومهم... بشكل مخالف للقانون (ممنوع الصيد أقرب من 500م من المساكن). هناك أيضاً السيارات التي تتجول في الجرود، تبرز من كل فتحاتها فوهات البنادق وقد يمتطي سطحها صياد أو أكثر. هذا يجعل الصياد رمزاً للكسل والبلادة والسمنة المفرطة. أي رياضة هذه؟ تراني أحرق سعرات حرارية أكثر منهم بكثير أمام البرامج السياسية على التلفزيون!


100 طلقة
للصياد يعني 1500
طن من الرصاص في
البيئة سنوياً


هل قلتم رجولة وذكاء وشطارة؟ تمارسون رجوليتكم على حيوان لا يساوينا لا حجماً ولا حولاً ولا قوة ولا ذكاء؟ تبين دراسات علمية أن النجاح في الصيد يؤدي إلى ارتفاع الهرمون الذكري (Testosterone) في الدم والظاهر أن الصيادين بحاجة إلى جيشان هورموني. فلتتعاون وزارة البيئة مع وزارة الصحة لتوفير حقنات هرمون مجانية لهؤلاء كإحدى وسائل حماية البيئة (!).

إدمان بحاجة إلى علاج

الصيد أيضاً حالة إدمان حقيقية على هرمون الأدرينالين. تجد على الإنترنت مواقع كثيرة تدخل فيها كلمتا Addiction و Adrenaline. فالصيادون إذاً ليسوا إلا مدمنين يتوجب إيجاد طرق لعلاجهم كما يعالج المدمنون على المخدرات والكحول وغيرها... فلتقم وزارة الصحة هنا بدورها!
دماغ الرجل هو من مئة إلى ألف مرة أكبر من دماغ الطير الذي يصطاده، فأي ذكاء فائق يتطلبه صيد ذلك العصفور المسكين. الصيادون يختارون الخرطوش الذي «يفلش» بدائرة أوسع لضمان إصابة الطير فأي دقة وشطارة هذه؟ بالمناسبة تبين دراسات إحصائية أن القدرة الذهنية لممارسي الصيد هي بالإجمال أضعف من باقي الناس (بالمناسبة، الأضعف ذهنياً هم من يحضرون سباقات السيارات). إذا أرادوا أن يناقضوا هذا الكلام، ليوظفوا أدمغتهم لإنجازات أخرى تفيدهم وتفيد عائلتهم ومجتمعاتهم. وليمارسوا مهاراتهم في مباريات إصابة الصحون وما شابه دون الإمعان في تدمير البيئة. ليمارسوا هواية مراقبة الطيور بل ليمارسوا هواية تصوير الحيوانات على أنواعها واستعراضها على الانترنت وهذا ما يمكن فعلاً اعتباره ذكاء ومهارة ودقة وفناً.

أية حضارة!

«عنّا بلبنان فيه حضارة!»؟ يعشق اللبنانيون إعطاء صورة حضارية للخارج وهذا يتناقض كلياً مع مشاهد الإبادة الهمجية للحيوانات سواء كانت مقيمة أو (طيور) مهاجرة من وإلى بلاد تبذل جهوداً لحماية ثروتها الطبيعية، فيقوم أبناء هذا البلد بتدميرها هنا. كم من الجهد والوقت والمال يضعه علماء «بلاد برّا» لدراسة الطيور وهجرتها لكي يقوم صيادونا هنا، بكل فخر واعتزاز، بتدمير طيورهم وأبحاثهم. عدد الحلقات المعدنية التي يحصلون عليها من الطيور المقتولة يتباهون بها بطريقة لا يمكن أن تنم إلا عن الجهل والتخلف وتلطيخ صورة لبنان عالمياً.
هل قلتم أن الصيد مسموح في دول أوروبا؟ هناك تقديرات أن عدد ممارسي هذه «الهواية» في لبنان هو حوالى 600 ألف مواطن (أضف إليهم السوريين حالياً). يصنف البعض نصف هؤلاء «صيادين» («نبلاء» مثقفين بيئياً ويمارسونها عن علم وفن!) والنصف الآخر من «القواسين» (رعاع مفتقرون للعلم والفن والثقافة الصيدية والبيئية) مع العلم أن علماء الطبيعة لا يجدون فرقاً بينهما. إن معدل عدد الصيادين في مجمل القارة الأوروبية هو حوالى صياد واحد لكل كلم مربع، بينما يناهز المعدل لدينا 60 في الكلم2. هل يتحمل بلد بمساحة لبنان هذا العدد الهائل من هؤلاء، مهما كانت تسميتهم ودوافعهم وممارساتهم؟ (لدى مالطا 50/ كلم2 ولكن لننظر لصغر حجم الجزيرة ولقرابة المالطيين معنا جينيا).

مستدام أم جائر؟!

هل قلتم «صيداً مستداماً»؟ تبنّى الاتحاد الأوروبي مفهوم «الصيد المستدام» ولكنه اشترط توفر دراسات علمية وإحصائية واضحة وبالغة الدقة لكي تتم إدارة وتنظيم الأمر بإحكام. أين لنا من هذه الدراسات والأبحاث؟ في ظل غياب التقييم البيئي المستديم، لا يمكن القبول بصيد مستدام. ولماذا يتوجب أن يكون لدينا «صيد مستدام»؟ «التنمية المستدامة» ضرورية لرفاهية المجتمع مع استدامة مواردنا الطبيعية، ولكن ماذا سيحفظ لنا الصيد المستدام غير استدامة «هواية» تدميرية؟ بالنظر إلى أوضاعنا البيئية الكارثية لا يمكن اعتبار أي نوع ومستوى من الصيد عندنا إلا صيداً جائراً!
إذا لم يقتنع الصيادون أو لم يصلوا إلى لحظة يحكمون فيها ضميرهم بالنسبة إلى بشاعة «هوايتهم» وضحالتها الذهنية وعمق مفاعيلها التدميرية... فليتصدى لهم المجتمع والقيمون عليه، لننقذ ما بقي من ثروة طبيعة (مستدامة) نتمتع بها ونورثها إلى الأجيال القادمة. لا أرى بأي منطق علمي أو وطني أو حضاري أو إنساني بديلاً من المنع الشامل والكلي للصيد البري بكل أنواعه ابتداء من هذه اللحظة وليبحث الصيادون والقواسون إلخ عن هوايات أخرى لائقة بتحضرهم وذكائهم وإنسانيتهم ورجوليتهم إذا كان لديهم منها.
* أستاذ علم البيئة في قسم الأحياء في الجامعة الأميركية في بيروت




الكائنات البرية ملكية عامة

إن كل الحيوانات البرية هي من الموارد الطبيعية العامة مثل الهواء والماء والغابات والشواطئ والأنهار، ولا يحق لعدد من الأفراد التصرف بها وإلحاق الضرر بمصالحنا الزراعية والبيئية والاقتصادية العامة. الطبيعة ملك لكل الناس (والأجيال القادمة) ولا يجب أن تكون أسيرة ينكّل بها المدمنون والمهووسون بمتعة القتل العشوائي. إن فلتان جحافل الصيادين في كل الأماكن وكل المواسم يحرم العائلات أفراداً وجماعات، من ارتياد المناطق الطبيعة والتمتع بها لإحساسهم بالخطر الناجم عن إطلاق النار الكثيف في تلك الأماكن. في كل بلد سافرت إليه في العالم أشاهد كيف يتمتع الناس هناك بمشاهدة الحيوانات على أنواعها في الأماكن الطبيعية والحدائق والتفاعل معها وإطعامها ومراقبتها وتصويرها... فكيف حرمنا «صيادونا» كلياً من متعة كهذه!