في مجموعتها الجديدة «خدعة النور في آخر الممر» (دار سليكي إخوان ــ طنجة)، تختار فدوى الزياني أن يكون الاستهلال بالفقد. تستحضر صورة الأم الراحلة التي «لم تنهض لتضع سكرها في الإبريق/ ولم تشعل حطب يديها ليدفأ العالم». ولعل موضوعة الفقد، تكاد تكون أثيرة لديها في الكتابة الشعرية، لذلك يمتدّ هذا الإحساس التراجيدي ليغطي صفحات عملها الجديد.

إننا أمام شاعرة دربت نفسها باكراً على التخلي، وروّضت حواسها كي لا تتأثر كثيراً بالسقوط والتداعي التدريجي لكل الأشياء الجميلة التي تشكلت وتنامت أمام عينيها منذ الطفولة الأولى. ليس الحزن عند فدوى الزياني مجرد استعارة أو دهان يجمّل النص، ويمنحه أبعاداً تراجيدية تتوخى التأثير في القارئ. الحزن هنا تجربة حياة، وكل ما تفعله الشاعرة هو أنها تضع هذه الحياة على الورق. تقول في نص «وشم على كتف فراشة»: «الشعر والحزن إرثي في هذا العالم/ في أذني الصغيرة لم يؤذن والدي/ أمي غطت وجهها بوشاح من الخجل».
وإذ تنقل الشاعرة تجربة حياتها إلى حقل الكتابة، تفعل ذلك بأكبر قدر من الصدق، وأقل قدر من البلاغات الكلاسيكية. لذلك تأتي جمل الشاعرة مركبة على نحوها العادي وبمفردات متداولة، وبلغة قد يفهمها الجميع.

لكن بساطة الدالّ لدى فدوى الزياني يقابلها عمق المدلول. وهذا عموماً ما تراهن عليه القصيدة الجديدة التي لا تريد أن تتخلى عما يمنح النص شعريته. فإذا كانت القصيدة الجديدة في أميركا وأوروباً مثلاً تسعى بشكل مستمر لتبسيط الشكل والمعنى معاً، فإن القصيدة العربية الراهنة لا تريد، في غالبية ما يُكتب، أن تتخلى عن تعميق المعنى. إنها ــ وإن ظلت تعمل على تخفيف الشكل وجعله أكثر رشاقة وتخففاً من المهارات اللغوية ــ تريد أن يبقى الشعر حاضراً في الدلالة. ذلك أن الشاعر العربي هو بالأساس شاعر شجن وحنين وارتباطات شعورية متشعبة ومتراكمة، فما بالك بالشاعرة؟
إن قراءة سريعة سواء في المركبات الوصفية أو المركبات الإسنادية ذات الطابع الوصفي، تؤكد هذا المذهب: الناي حزين، الأحجار شاحبة، العصافير اليتيمة، امرأة واهية، الليالي الكئيبة، بقع الحزن القاتمة، ملاك يائس، خيبات طويلة، الأصابع الحزينة، الطيور المهاجرة، أحزان يتيمة، محراب أسود، قائمة سوداء، أحزاننا الفاقعة.
هذا هو الحقل الشعوري الذي يحيل على الراهن في نصوص الشاعرة. أما ما يدل على الفرح فهو يأتي غالباً مسبوقاً بفعل النوستالجيا: «كان».


يخيّم الفقد على نصوصها وقصائدها

يحمل العنوان نبرة اليأس، فالنور الذي يظهر في نهاية العتمة، بما هو رمز للأمل، ما هو في نظر الشاعرة إلا خدعة. النور إذاً كذبة بينما الحقيقة هي الظلام. ثم إن مفردات من قبيل «الوحدة» و«اليأس» و«الحزن» و«الجرح» و«الدمع» و«الصمت» و«الموت» و«سوء الحظ» متوافرة بشكل لافت في نصوص الزياني، وهي تستمدّ حضورها من تجارب معيشة لشاعرة تكاد تكون الابتسامة هي سلاحها الوحيد في مواجهة المعارك الضارية للحياة.
تحمل نصوص «خدعة النور في آخر الممر» في طياتها روح المساءلة، حيث تلك المواجهة التي يعلنها الكائن أمام قدره في نوع من الجدال الوجودي، فالشاعرة تتساءل عن السرّ في هذا الاختيار الفيزيولوجي الذي لم تكن لها يد فيه، فاتحة بذلك باباً قد لا يفضي إلى أي جواب حاسم بخصوص أشكال الوجود، بينما يفضي فقط إلى مزيد من الأسئلة. كما نلمس محاكمة الأب شعرياً بوصفه أحد عوامل الوجود: «لم يكن من المفروض أن أولد أنثى/ الأقحوانة التي سحقها أبي عنوة في حقله/ تسلل دمها إلى شقوق قدميه الحافيتين/ وكانت تنتقم». ومع تراكم تجارب الفقد، إضافة إلى الشعور بالفشل واللاجدوى أحياناً، ورهافة الكائن أمام أهوال الحياة وقسوتها، يبدو الملاذ هو الشعر نفسه: «الشعر حديقتي الوحيدة». هذا ما تقوله الشاعرة في مستهل نصها «ملامح الطين». إنه الشعر الذي تكتبه بمزاج عاشقة وبتمكن كبير من آليات الكتابة، وبقدرة مذهلة على تحويل إحساس الكائن إلى شكل أدبي مؤثر.
تهرب فدوى الزياني إلى الشعر كملجأ يحميها من مختلف أشكال الشقاء الاجتماعي والنفسي، وينسيها تجارب الفقد والخذلان، متماهية بذلك مع ما قاله رائد السوريالية أندريه بروتون: «إن الاحتضان الشعري يشبه الاحتضان الجسدي، فهو يغلق كلّ منفذ على بؤس العالم».