طالت نظراته التي تتعدى زجاج الحافلة وتضمحل في ظلام تلك الليلة، بينما العشرات من المخاوف تداهم رأسه، فيلتفت، وينظر إلى ولده البالغ اثني عشر عاماً بحسرة؛ إنه جريحٌ وممددٌ على كرسي بجواره. فلم يكن من خيار آخر سوى أن يسافرا في ليلة شتوية باردة، وعبر طريق محفوف بالمخاطر للعلاج في دمشق.

خففَ سرعة الحافلة، فسأله ولده:
- هل وصلنا؟
- الظلام دامس. إنني فقط أرى حاجزاً للتفتيش، لكنني أجزم أن دمشق ما زالت بعيدة.

انتصبت رؤوس المسافرين الغارقة في أحلام اليقظة على إثر توقف الحافلة. وباتت نظراتهم متجهة صوب الباب لمعرفة هوية المسلحين، والجميع يتساءل بينه وبين نفسه: من هؤلاء وماذا يبتغون؟.
صعد أحد المسلحين إلى داخل الحافلة، وتفحص بنظراته الحادة وجوه وبطاقات المسافرين واحداً تلو الآخر، من ثم عدّهم جميعاً من دون أن يأبه بالولد الجريح، وصاح:
- أيها المعاون، خلال ثواني يجب أن تتقاضى من كل راكب ألفي ليرة سورية، ومن يرفض الدفع، فلينزل من الحافلة، وليتابع طريقه إلى دمشق مشياً على الأقدام.
بادر والد الطفل الجريح السؤال:
-المسنّون والجرحى والمرضى أيضاً سيدفعون؟
-لا يحق لأحد التهرب من «الواجب»، فالكل سيدفع. (قالها المسلح)
تمتم الولد الجريح بصوت خفيض:
-ماذا يعني الواجب ؟
-أخفض صوتك (قالها الوالد).
جمع معاون السائق النقود للمسلح، من ثم استأذن منه بإكمال السير، فانحنت رؤوس المسافرين مرة أخرى في عتمة الليل. فقط عينا الولد الجريح ووالده لا يبرحان إلى النوم، ويترقبان الوصول إلى دمشق.
بعد أقل من نصف ساعة بان حاجز آخر أمام الحافلة. خففّ السرعة مرة أخرى، وانتصبت رؤوس المسافرين من جديد، وأعينهم الواسعة تحدق في الباب حيناً، وتحدق ببعضها حيناً آخر كأنهم يتساءلون: من سيكونون هذه المرة؟ وما الذي سيطلبونه؟
دخل مسلح مع بندقيته إلى داخل الحافلة، وأمر على الفور بإبراز البطاقات الشخصية، وما هي إلا ثوان حتى كانت البطاقات في الأيدي.
مر المسلح من وسط الحافلة وفي يده أربع بطاقات شخصية. لم يأبه المسلح بالولد الجريح، وأعطى أوامره لمعاون السائق:
- على أصحاب البطاقات الأربع النزول من الحافلة.
نزل أصحاب البطاقات الأربع على عجل، وتفاوضوا مع المسلح حتى دفع كلٌّ منهم ألفي ليرة سورية، من ثم صعدوا الحافلة التي تحركت بعدما استأذن معاون السائق من المسلح.
توقفت الحافلة سبع عشرة مرة في تلك الليلة المظلمة. وفي كل وقفة يدفع بعض من المسافرين المساكين النقود للمسلحين بتهم عديدة، ومع بزوغ الفجر استعصت عجلات الحافلة في الثلج المتراكم على الطريق.
نظر المسافرون في أعين والد الطفل الجريح، ولسان حالهم يقول: حتى السماء لا ترغب بشفاء جروح السوريين، حتى السماء موافقة على أن يبقى الطريق إلى دمشق مخيفاً.

* كاتب كردي سوري




المساهمات الابداعيّة في ملحق «كلمات»
يمكن إرسال المساهمات الإبداعيّة (من قصص وقصائد ونصوص حرّة وترجمات وصور فنيّة ورسوم) إلى ملحق «كلمات» في جريدة «الأخبار»، على العنوان الإلكتروني الآتي:
[email protected]
على أن يرفق كل ارسال بالإسم الكامل لصاحبه أو صاحبته، وعنوان الإقامة، ورقم هاتفي لأي تواصل محتمل.
بالنسبة إلى الترجمات الأدبيّة، تعطى الأولويّة لنصوص خضعت لاتفاق مسبق مع التحرير، ويستحسن أن يكون التعريب عن اللغة الأصليّة التي كتب فيها النص. مع تعريف واف بالكاتب (ة) والمترجم (ة).
تحتفظ إدارة التحرير لنفسها بقرار نشر المساهمات المقترحة أو عدمه، من دون أي شرح أر تبرير أو مراجعة.