آخر ما كان يتوقعه إبراهيم عبد الكريم رؤية ابنته زينب، قبل 15 يوماً من عيد ميلادها الأول، جسداً هامداً تحت جثث مكدسة من الأطفال داخل ثلاجة الموتى في مستشفى الثورة العام، في العاصمة اليمنية، صنعاء.


«يوم 16 رمضان عام 2015، عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل... كنّا نائمين بسلام، وفجأة تحوّل بيتنا الفقير إلى جحيم. صراخ زوجتي، نيران مشتعلة، وجوه لا أعرفها، دخان أسود، وصوت ابنتي تناديني»، يقول عبد الكريم لـ«الأخبار»، متذكراً أحداث الليلة التي حرمته صواريخ العدوان السعودي فيها «فرحةَ عمره»، أي زينب، وأقعدت زوجته وتركت ابنه في صدمة نفسية. ويضيف: «ببضع ثوانٍ، أخذوا مني قلبي. كل شيء حدث بسرعة. رأيت زينب مدفونة بالكامل تحت الركام، ثمّ على فراش الموت والأطباء يحاولون إنعاشها بالصدمات الكهربائية، وبعدها في الثلاجة... رأيت حبيبتي التي أخاف عليها من نسمة الهواء تحت التراب».
صورة عبد الكريم وهو يغمر ابنته في كفنها الأزرق اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ووصلت إلى العالمية، لتصير زينب اليوم رمزاً لضحايا الحرب من الأطفال في اليمن. فمنذ 26 آذار 2015 حتى اليوم، قتل ما لا يقل عن 2568 طفلاً وجُرح آلاف آخرون، على مرأى ومسمع من العالم، الذي لم يحرك ساكناً إزاء الانتهاكات التي يرتكبها «التحالف العربي» بقيادة السعودية. وبعد سنتين من القصف والحصار، بدعم عسكري من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تحذّر المنظمات الحقوقية من أنَّ 82 في المئة من سكان البلد الأشد فقراً في الشرق الأوسط، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، في وقت يعاني فيه أربعة من كل خمسة يمنيين انعدام الأمن الغذائي، بحسب «برنامج الغذاء العالمي».
وبينما ألقى الصراع بثقله على فئات المجتمع وشرائحه العمرية كافة، فإنَّ الأطفال، الذين يمثلون 50 في المئة من السكّان، يتحملون العبء الأكبر، إذ أعلنت «منظمة الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسف)، أن «طفلاً يمنياً واحداً على الأقل يموت كل عشر دقائق بسبب سوء التغذية وأمراض يمكن الوقاية منها»، في تقرير بعنوان «أطفال اليمن: سقوط في دائرة النسيان». وبحسب المنظمة، التي تُعنى بالأطفال، فإنّ 2.2 مليون طفل يمني تحت سن الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد، بينهم نحو نصف مليون يطاولهم سوء التغذية «الحاد الشديد» (SAM)، وذلك في زيادة كبيرة «تصل إلى 200 في المئة مقارنة بعام 2014»، ما ينذر بـ«خطر وقوع البلاد في مجاعة».
وفي حديث إلى «الأخبار»، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة اليمنية، عبد الحكيم الكحلاني، إن «تزايد معدلات سوء التغذية لدى الأطفال وتدهور الوضع الصحي مرتبطان بالعدوان السعودي المباشر، إذ إنَّ الغارات استهدفت أكثر من 50 في المئة من منشآتنا الصحية، وكذلك المرافق التي تنتج أو تخزن أو توزع البضائع للمدنيين، فضلاً عن استهداف المنشآت الاقتصادية، منها مصانع ومستودعات تجارية ومزارع، وكذلك الحال مع محطات الكهرباء».


طُلب من الأمم المتحدة
مجدداً إعادة التحالف
السعودي إلى قائمة العار


وتشير منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى أنَّ «مجمل الهجمات على المصانع والمنشآت الاقتصادية الأخرى تثير مخاوف من أن يكون التحالف يتعمّد إلحاق أكبر ضرر ممكن بقدرات اليمن الإنتاجية»، فيما أكّدت «منظمة العفو الدولية» أن «التحالف» قصف المستشفيات والمراكز الصحية التي أغلقت المئات منها، ومن ضمنها مستشفى كانت تديره منظمة «أطباء بلا حدود» استُهدف بالقنابل العنقودية الأميركية.
وفي ظل تدهور النظام الصحي، الذي تقول المنظمات إنه «على حافة الانهيار»، هناك 10 ملايين طفل بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينهم 7.4 ملايين بحاجة إلى رعاية صحية بات من الصعب الحصول عليها. ووفق إحصائية صادرة عن «المركز القانوني للحقوق والتنمية»، فقد تسعة آلاف مريض من أصل 75 ألفاً حياتهم بسبب الحصار على مطار صنعاء، في وقت انعدم فيه ستون صنفاً من الأدوية الضرورية من السوق. هذا ما أكّده المدير العام لـ«المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي والسكاني» في وزارة الصحة، عبد السلام سلّام، مشدداً على أنَّ «هناك شحاً كبيراً في بعض الأدوية مثل الخاصة بعلاج الأورام السرطانية والأمراض المزمنة كالسكري والضغط... هناك أكثر من 500 ألف مريض بالفشل الكلوي لا يجدون خدمات غسل، وهم مهددون بالموت في أي لحظة». وأضاف سلّام، في حديث إلى «الأخبار»، أنَّ الأدوية تدخل البلاد «إمّا بالتهريب أو بفرض رسوم جمركية مضاعفة، ما أدّى إلى ارتفاع أسعارها لأكثر من الضعف».
بالإضافة إلى القصف والحصار، واجهت منظمات دولية صعوبات في إيصال الغذاء والإمدادات الطبية، كان آخرها ما تعرضت له منظمة بريطانية أعلنت أنَّ «عدداً كبيراً من الأطفال قتلوا في اليمن بسبب منع التحالف السعودي سفن المساعدات من الوصول إلى ميناء الحديدة». وأضافت المنظمة: «فرقنا تتعامل مع تفشي وباء الكوليرا، والأطفال الذين يعانون الإسهال والحصبة والملاريا وسوء التغذية، مع الأدوية السليمة كل هذا يمكن علاجه، ولكن التحالف الذي تقوده السعودية يمنعنا من الدخول... هذا ببساطة أمر لا يغتفر».
من جهة أخرى، لم تسلم المدارس من العدوان، إذ أُغلق نحو ألفي مدرسة أبوابها، 1470 منها دمرت أو تضررت، فيما تحولت بعضها إلى ثُكَن عسكرية أو ملاجئ للنازحين. ووفق «يونيسيف»، هناك مليونا طفل خارج المدارس اليوم. في هذا السياق، يؤكد المدير العام للصحة المدرسية في صنعاء، علي مرغم، أن العديد من الأطفال «قتلوا أو أصيبوا وهم في طريقهم من المدرسة وإليها»، مذكراً بالتلميذة إشراق البالغة من العمر 11 عاماً، التي قتلت في غارة على مدرستها مطلع العام الجاري.
وكانت «هيومن رايتس ووتش» قد أعلنت في كانون الأول الماضي مقتل وجرح عدد من الأطفال في غارة جوية لـ«التحالف» على مدرسة شمال اليمن، ودعت الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إلى إعادة «التحالف» إلى «قائمة العار» الخاصة بالانتهاكات ضد الأطفال في النزاعات المسلحة، وذلك بعدما تراجع الأمين العام السابق بان كي مون، تحت الضغط والتهديد، عن إدراج المملكة العام الماضي.
وأشار مرغم إلى أن «الحصار منع وصول الورق والحبر إلى اليمن، وبالتالي لم نستطع طباعة الكتب المدرسية»، مضيفاً أن «حتى المدارس التي لا تزال تستقبل الطلاب وتتبع نظام استرجاع الكتب من التلاميذ، لا تتسع لما يزيد على 1.4 مليون طفل نزحوا من مناطقهم هرباً من الاشتباكات والقصف».
ووجد بعض الطلاب، الذين أجبروا على الابتعاد عن مدارسهم بسبب النزاع، أنفسهم مضطرين إلى البحث عن عمل أو التسول، فيما جُنّد بعضهم لدى الأطراف المسلحة (خاصة في الجنوب)، أو دفع بهم نحو زواج القُصّر، إذ تشير الأرقام إلى أن أكثر من ثلثي الفتيات يُزَوَّجنَ قبل بلوغهن 18 عاماً، مقارنةً بـ50% منهن قبل الصراع.
وفي هذا السياق، حذّر المتحدّث باسم «يونيسيف» في اليمن محمد الأسعدي في اتصال مع «الأخبار»، من أن هناك «جيلاً كاملاً مهدد بالانحراف إذا لم يلتحق بالمدرسة»، مشيراً إلى أن العلم لم يعد أولوية، إذ إنَّ «العائلات اليمنية استنفدت كل مدخراتها وباعت أثاث منازلها وأقترضت الأموال لكي توفر حاجات أطفالها من طعام وشراب».
«زينب يا ابنتي لماذا قتلوك؟ باسم ماذا قتلوك؟ باسم الدين باسم لا إله الا الله محمد رسول الله؟»، يسأل عبد الكريم في نهاية حديثه، ويضيف: «بعد انتشار صورة زينب، تواصلت معي شخصيات في السعودية، وقالوا إنهم سيعالجون زوجتي، وينقذون ابني من الجوع والفقر والحرب، شرط أن أكذب وأدّعي أن ابنتي قتلت في تعز على أيدي الحوثيين…».




الرياض تتسلّح... بقيمة 5.9 مليارات دولار!

أدانت «منظمة العفو الدولية» في تقرير لمناسبة الذكرى الثانية للعدوان على اليمن، الحصار الذي تفرضه السعودية، مشيرة إلى أنه أدّى «إلى فرض قيود شديدة على استيراد الوقود والمواد الأساسية الأخرى، بحيث لم يتمكن الناس من الحصول على الطعام والماء والمساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية».
كذلك لفتت المنظمة إلى أن غارات «التحالف العربي» استهدفت منشآت البنية التحتية الرئيسية، كالجسور والمطارات والموانئ، الأمر الذي «عرقل حركة قوافل الإمدادات الإنسانية الضرورية».
وأكّدت «العفو الدولية» أنها وثَّقَت ضربات جوية في ست محافظات مختلفة في اليمن نفذتها طائرات تابعة للعدوان، بـ«دعم استخباراتي ولوجستي أساسي من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا»، أدّت إلى مقتل وجرح مئات المدنيين، مضيفة أن «بعض هذه الضربات استهدفت عمداً مدنيين وأهدافاً مدنية كالمستشفيات والمدارس والأسواق والمساجد، ويمكن أن تصل إلى حدّ جرائم الحرب».
وشبّهت المنظمة القنابل العنقودية التي يستخدمها «التحالف» بـ«القنابل الموقوتة بالنسبة إلى المدنيين، وبخاصة الأطفال»، مذكّرة بأن السعودية «اشترت أسلحة بقيمة 5.9 مليارات دولار من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وكندا وتركيا في الفترة بين عامي 2015 و2016».