الكتابة والحياةُ الحقيقية صنوان، ولا يمكن الفصل بينهما إلّا فيما ندر من معجزات الشعر والنثر والكتابة في كلّ الأنواع. ثمّة تراتبية هرميَّة في منتوج أي شاعر وهذا ما يبدو واضحاً في الديوان الذي صدر منذ فترة للشاعر السوري باسم سليمان عن «دار أوراق للنشر» بعدما فاز بمنحة «مؤسسة بدور التركي» تحت مسمّى: «مخلب الفراشة». التراتبية بمعناها التذكّري بالنسبة إلى الحياة الداخليَّة للشاعر وتعقيداتها الجمَّة. وانطلاقاً من العنوان، هناك ما يودّ باسم أن يثب فوقه ويترك آثاراً رقيقة في قلب القارئ ومخيّلته؛ الفراشة إذ ينبت لها مخالب، الحنانُ إذ يبدو منوّماً بعقَار «الفاليوم»، إلى ما هناك من عناصر شعريَّة متوافرة. «حبّة المنوّم أنتِ، وهذا الليل في غيابك ازدردَ كلّ النوم من علبة عينيّ وتَرَك مقلتيّ بيضاوين كالقلق». بطراوةٍ يفتتح باسم عوالم الديوان، وكافتراس حيوانٍ ضعيف لفريسةٍ قوية وقعت في فخّ، يبدأ النصّ بإحالة القارئ إلى الحياة اليوميَّة للحب، الحياة المتخيَّلة لعاشق، الحياة القاسية (كمفهومٍ كلاسيكيّ)، هشاشة العواطف أمام الجمال والذكريات وتعثُّر الحب.


لا شكّ أن العنوان يحيلُ القارئ في كلّ الأوقات على عذوبة المحتوى، ويفشل أحياناً في مجاراة عذوبة محتوى النصّ وسلاسته. في «مخلب الفراشة»، يغدو العنوانُ مقطعاً شعريَّاً بذاته، العنوانُ مُفتَتَحَاً لعذوبةٍ أخرى، وكنموذجٍ للعناوين: «مشطكِ ذو الأسنان اللبنيَّة، يعضّ شعري المجعَّد»، أو «يومَ القيامةِ أتأبَّطُ نهدكِ الأيسر، أدخل على الله» وغيرهما من عناوين المجموعة الشعريَّة. يغدو العنوانُ في نظرةٍ شعريَّة دقيقة، قصيدةً كاملة المحتوى والوميضْ. هذا الأمر له الدلالاتُ الأقوى في وعورة طريق العناوين واللعب لغويَّاً على هذا الموضوع واحتمالات النجاح أو الفشل في محاذاة هذا الأمر الصعب. لا يخفي باسم في معظم نصوص المجموعة خطابهُ للأنثى، بطريقةٍ متأرجحةٍ بينَ غزلٍ ومحاكاة، وانتقالٌ من تشبيه الأنثى، وسرد ما يمكن أن يكون موضوعاً عاديَاً وترقيته عبر الكلمات والأسلوبيَّة إلى نص يخاطبُ الأنثى أو لنقل مكتوب لأجلها: «أحلمُ بالنساء إلّا أنتِ، فإنْ متّ رأيتكِ». الكتابةُ مُذ اكتُشِفَت توجّه للأنثى، لا نعني هنا المدارس والقصائد التي كانت تُحاكُ ببطء وتأنّ لأجل الأنثى، وإنّما الكتابة والقصيدة كأنثى بذاتها، والصفات الرقيقة تلك مسحوبة من خيوط صميمها المكوِّنة: «أقرأ لكِ:/ في الخريف تسقط الأوراق،/في الخريف تصلُ الرسائل». وكأنّ النصوص المكتوبة موجّهة إلى أنثى، بل هي حقيقة موجّهة إلى أنثى، مخاطَبٌ بصره زئبقيٌّ ولا يمكن تحديد وجهة النظر تلك بسهولةٍ شعريَّة، لا بدّ من نحتٍ لغويّ دقيق للوصول إلى فؤاد الشيء وعمقه.
«كقائدٍ يستريحُ من انتصاره/ يضع دروعَه أرضاً/ سلختِ سوتيانكِ/ تركت لاهوتَ نهديكِ المملوء بجروح الشهوات/ غواية لهواءٍ محمومٍ بغبار الناسوت». تتميّز اللغةُ في نصوص «مخلب الفراشة» بالعنفوان والتشذيب وأحياناً الوعورة، فاللغة رهان لإكساء المعنى وتليين ملمسه رغمَ تلك الوعورة. ويمكن القول بعبارةٍ تخيلّية أخرى إنّ باسم يمتطي حصان اللغة متّجهاً نحو الوعورة من دون أن يعير الانتباه والحذر من السقوط المفاجئ أيَّ أهميَّة، فما يريده هو أن يعبّر عن مكنوناته التي لا ترضى بأيّ لغة، فاليوميّ مرفوض، وثمة شيءٌ سامٍ يتفوّق على بساطة اليومي رغم الإغراء المتوفر.


يحيل القارئ على الحياة اليوميَّة للحب، والحياة المتخيَّلة لعاشق

هناك المتخيَّل المتّسم بالخطورة، المتخيَّل الذي لا بدّ أن تكون القصيدةُ طوع أمره، امتثالاً لتشبيهاتٍ لا يمكن أن تكون موجودةً في الحقيقة المَعيشة، إنّما تشكّل بمكوّناتها المتعدّدة صفة «الشعر» ودلالاته: «يا صوتكِ يا دالاً تنزّه عن دلالاته واستوى على عرش الصّدى، ساكباً مقلتيه عسلَ ضوءٍ في شمع السماءْ». الأماكن المظلمة غالباً ما تكون مخيفة، هذا أمرٌ بديهي، لكن المناطق المعتمة حينما تُنار عن طريق الكتابة تغدو أكثر أماناً من ذي قبل. هذا ما تفعله نصوص «مخلب الفراشة» عندما تسلّط الضوء على أماكن كانت غائبةً عن وعي المتلقّي. إنها الكلمةُ عندما تُجبر القارئ على التفكُّر وإعادة رسم الخطوط من جديد. وعلى الرغم من وعورة الرسم مجدّدَاً، إلّا أنّ ثمة ما يهِبُ القوّة آن التفكّر في التخطيط مرَّةً أخرى عَقِبَ القراءة. النظر بعين الآخر غالباً ما يمنح التجربة الشخصيَّة بعداً آخر خصوصاً عندما تكونُ تجربةً ذات بعدٍ شاعريّ، فمعها تبدو التجربة أكثر بياضاً وأشدّ رأفة ومضيَّاً في الخيال، والكتابةُ - رغم وعورتها - تتحوّل بآليَّةٍ ما إلى فضاءٍ رحب متّسعٍ لمختلف التآويل: «قالت فراشة:/ انظروا الضوءَ/قُدّ بشروق وغروب/ إذ همتَّ وهمّ بها / وغضَّا النظر / لا آلهة في الحب».