حكايات غريبة ومنسية لكنها جميلة. الكتاب الأول هذا ذكرى نسيتها إذا تراكمت عليها ذكريات. كنت أعيش في الإسكندرية موطني وحياتي. أعمل في شركة الترسانة البحرية وأدرس في «كلية الآداب». كنا شباباً طموحاً نقيم ندوة أسبوعية في قصر ثقافة الحرية – قصر الإبداع الآن – يوم الاثنين من كل أسبوع.


كان معي فيها وكنت معهم مجموعة رائعة من الكتاب، بينهم الروائيون وكتّاب القصة مصطفى نصر وسعيد سالم ورجب سعد السيد وسعيد بكر رحمه الله والناقد عبد الله هاشم وغيرهم. وكنا أيضاً نلتقي كل يوم أحد في «جمعية الشبان المسلمين» في قصر ثقافة الحرية، ونستضيف أدباء وكتاباً من القاهرة التي كانت وكان النشر فيها حلم الجميع. في «جمعية الشبان المسلمين» لم نكن نستضيف أحداً من القاهرة. قصر ثقافة الحرية تابع ولا يزال للثقافة الجماهيرية، وكانت تشرف على نادي الأدب سيدة رائعة هي عواطف عبود لم تكن تتأخر في استضافة أدباء القاهرة الكبار نسمع منهم ويسمعون لنا وينشرون لنا أحياناً في مجلات يشرفون عليها أو برامج إذاعية. «جمعية الشبان المسلمين» لم يكن لديها فرصة استضافة من القاهرة، لكن كانت تستضيف أساتذة من جامعة الإسكندرية أو مذيعين من إذاعة الإسكندرية. في عام 1969 أعلن نادي القصة في الإسكندرية تنظيم مسابقة للقصة القصيرة على مستوى الجمهورية، وكان يشرف عليه الصحفي فتحي الأبياري، وكان صحفياً في الإسكندرية تابعاً لجريدة أخبار اليوم، وكان أحد تلاميذ الكاتب الكبير محمود تيمور، وكتب عنه كثيراً. تقدّمت بقصة كان عنوانها «حلم يقظة بعد رحلة القمر»، وفازت بالجائزة الأولى على مستوى الجمهورية، ونشرت يوم السبت في «أخبار اليوم» – العدد الأسبوعي للأخبار – مع مقدمة لمحمود تيمور يحيي فيها العبد الفقير إلى الله وقصته. المهم أنه في نادي أدب «جمعية الشبان المسلمين» كان يشرف على ندوتنا فيه المرحوم حسني نصار، وكان كاتباً للقصة وموظفاً كبيراً في محكمة الإسكندرية.


عرفت من فتاة تعمل
في المطبعة أن هناك فصلاً
من الرواية أو فصلين لم يُطبَعا
كان رجلاً شديد الأدب. شجعنا على أن نصدر كتاباً يحتوي قصصاً لنا. اشتركنا فيه نحن عشرة كتاب كل كاتب بقصتين. كان من بين الكتّاب أسماء لا أعرف أين ذهبت. أغلبهم شغلته الحياة. سألت صديق عمري الروائي مصطفى نصر. فأخبرني ببعض أسماء منها سعيد بدر، وكان يعمل ترزي حريمي ويكتب القصة ولم ينشر، وانتصار رجب ومصطفى بلّوزة ولا أعرف أين ذهبا، وسيد الهبيان الذي استمر بعد ذلك ينشر في الإسكندرية، وغيرهم. الكتاب ذلك الوقت كانت تكلفة الخمسمئة نسخة منه ستون جنيهاً. ونحن العشرة ندفع ثلاثون جنيهاً. أي إن كلاً منا يدفع ثلاثة جنيهات. والمطبعة ستتحمل الباقي وكانت المطبعة ملك شاعر عامية اسمه سيد خليفة، تكرّم الرجل بالمبلغ الباقي.
ذكّرني بهذه الأسماء كلها صديقي مصطفى نصر، ولما سألته: «لماذا لم تكن معنا؟»، قال لي: «اختلفت مع الأستاذ حسني نصار، وقلت له: النشر ليس بفلوس». أين ذهب هذا الكتاب؟ لا أعرف. كيف وُزِّع؟ لا أعرف أكثر من أننا وزعناه على أصحابنا، وكان عنوانه «طريق الشوك». اختفى بنفس سرعة ظهوره. لكن بعد ذلك نشرت كتاباً آخر في الإسكندرية، أردت أن أعتبره الأول ولم يحدث. كانت رواية صغيرة اسمها «في باطن الأرض». كنت قد اشتركت بها في نادي القصة في القاهرة عام 1972 أو قبل ذلك، لا أذكر. فازت بالجائزة الثالثة، وهي خمسون جنيهاً. شجعني كاتب مسرحي سكندري توفي كان اسمه عبد اللطيف دربالة أن أطبعها على نفقتي. كنت في الترسانة البحرية والجامعة. طبعت دفتر «كوبونات»، كل كوبون بعشرة قروش. أخذت أنا وأصدقائي نبيع الكوبونات في الكلية وفي الترسانة مقدماً لأصحابنا ونأخذ الفلوس ونذهب بها إلى مطعم الكباب الشهير «نصار» على البحر ــ أصبح مقهى الآن ــ نأكل كباباً مرة أو مرتين في الأسبوع، وكان مطعم الصفوة. كيف حدث ذلك؟ حدث لأني لم أدفع مليماً واحداً للمطبعة. كيف حدث ذلك أيضاً؟ حدث لأن صاحب المطبعة قال لي أن أتقدم بطلب إلى «الهيئة القومية للكتاب» للسماح لي وللمطبعة بشراء ورق مدعَّم يكفي ثلاثة آلاف نسخة. وافقت الهيئة، فقال لي: سأطبع لك ألف نسخة فقط، فانت غير معروف وبفرق السعر للألفين نسخة سيكون الكتاب مجانياً. لذلك، توافر لي ثمن البونات نأكل بها كباباً.
ظهرت الرواية التي فرحت بها جداً، وأشار علي صديقي المسرحي عبد اللطيف دربالة بأن نوزعه مع مسرحيته من طريق جريدة «أخبار اليوم». وجرى التوزيع، وعادت إلي الألف نسخة ناقصة خمسين فقط. أي بيعت خمسون نسخة، ولما فرزت الألف نسخة لأعطي من اشتروا البونات نسخهم وجدت مئة نسخة من مسرحية صديقي عبد اللطيف بين التسعمئة وخمسين نسخة. أي إن الرواية وزعت مئة وخمسين نسخة في الحقيقة، لكن من قام بتعداد المرتجع لم ينتبه إلى أنه وضع نسخاً أخرى من المسرحية التي هكذا وزعت أكثر مني، لأن نسخها وضعت عندي وضحكنا أنا وعبد اللطيف. لكن ليس ذلك هو المهم. لقد عرفت من فتاة تعمل في المطبعة أن هناك فصلاً من الرواية أو فصلين، لا أذكر، لم يُطبَعا، وأن الرواية هكذا ناقصة، وأن صاحب المطبعة قال للعمال أن لا يخبروني، وهددهم لو فعلوا ذلك، وطلبت مني أن لا أقول ذلك حتى لا يفصلها من العمل. في ذلك الوقت، لم يكن هناك كومبيوتر ولم تكن لدي نسخة أخرى مكتوبة من الرواية ولم أشغل نفسي بإعادة تأليف ما فقد، ولذلك لم أعد طبعها قطّ، وظللت حتى اليوم أتذكر أنها أكثر كتاب أكلت من ورائه الكباب والدجاج والطواجن وأشياء أخرى، مما بعناه من كوبونات! ولا أذكر اليوم أين ذهبت نسخ الرواية التي بقيت بعد أن وزعت نسخاً على أصحاب الكوبونات الذين أكثرهم قال لي: نحن نشجعك، ولا داعي للرواية، فنحن لا نقرأ.
بعدها توقفت عن أي نشر حتى عام 1979 بعد أن صرت أعيش في القاهرة وصار النشر شيئاً آخر له أصوله ودور نشر حقيقية، واعتبرت ما مضى من شطط أهل الإسكندرية الكرام، لم أتذكره إلا حين طلب مني الصديق محمد شعير أن أكتب عنه.