ربما بات العالم اليوم أكثر قلقاً من مسألة تغيير المناخ، بما يمكن أن تسبّبه من نتائج كارثيّة على مختلف الصّعد (إيكولوجيّاً، هيدرولوجيّاً، ميكروبيولوجيّاً وحتّى ديموغرافيّاً).


تجتاح مشكلة الاحتباس الحراريّ النّقاشات الدوليّة والمحلّية وحتّى البرامج الانتخابيّة، فتُطرح الطاقة النظيفة كحل أمام إنتاج الطّاقة عبر الوقود الأحفوريّ (نفط وفحم حجريّ وغاز) وهو أحد الأسباب الأساسية لانبعاث "الغازات الدّفيئة"، ولا سيّما ثاني أوكسيد الكاربون الّذي زادت معدّلاته بنحو ملحوظ بعد الثّورة الصّناعيّة (زاد معدّل هذا الغاز في الهواء من 280 جزءاً في المليون إلى 400 جزء في المليون في خلال 200 عام بحسب تقرير التّقويم الرّابع الصّادر عن اللّجنة الدّوليّة للتّغيّرات المناخيّة عام 2007). فإذا تمكنّا من تقليص معدّلات انبعاثه، نستطيع التّخفيف من الاحتباس الحراريّ، ولكن كيف؟
لقد كانت الشّمس دائماً حلّاً مطروحاً بديلاً من الطّاقة الأحفوريّة، وذلك عبر توليد الطّاقة باستخدام الألواح الشّمسيّة. ولكن الآن، أُوجد شكل مختلف جذريّاً لحلّ هذه المسألة؛ فقد اكتشف فريق علماء دوليّ في جامعة إنديانا الأميركيّة طريقة لتحويل ثاني أوكسيد الكاربون إلى أوّل أوكسيد الكاربون الّذي سيخزَّن كوقود، عبر مركّب جديد على شكل ورقة شجرة، يمتصّ طاقة الشّمس ليستخدمها في عمليّة التّحويل.


يمتص الغرافين الطّاقة اللّازمة من أشعّة الشّمس لتحويل ثاني أوكسيد الكاربون إلى أوّل أوكسيد الكاربون

تشرح الدّراسة المنشورة في مجلّة "الجمعيّة الكيميائيّة الأميركيّة" أخيراً، كيفيّة عمل هذا المركّب، الذي هو فعليّاً "تجمّع" لمادّة الغرافين مع عنصر الرّينيوم عبر ذرّات النّيتروجين، حيث يمتص الغرافين الطّاقة اللّازمة من أشعّة الشّمس لتحويل ثاني أوكسيد الكاربون إلى أوّل أوكسيد الكاربون، لينقلها النّيتروجين إلى الرّينيوم، حيث يلتقي هذا العنصر بثاني أوكسيد الكاربون فيمتصّ الطّاقة ويتحوّل إلى أوّل أوكسيد الكاربون في تفاعل إلكتروكيميائيّ يلعب فيه المركّب الجديد دور المحفّز.
إنّ تحوّل ثاني أوكسيد الكاربون إلى أوّل أوكسيد الكاربون يحتاج إلى كمّيّة محدّدة من الطّاقة تتوافر من الشّمس إذاً، وهذه الكمّية نفسها ستنتج من احتراق أوّل أوكسيد الكاربون ليعود ويتحوّل إلى ثاني أوكسيد الكاربون. عبر هذه الدّورة الّتي يمكن أن تكون لا متناهية، سيتحقّق مكسبان: الأوّل هو تحويل الطّاقة الشّمسيّة إلى طاقة كيميائيّة، ثمّ إلى طاقة حراريّة، أي باختصار الاستفادة من أشعّة الشّمس. أمّا الثّاني، فهو "محاصرة" كمّيّة ثاني أوكسيد الكاربون في هذه الدّورة، وبالتّالي منعها من الانتشار في الهواء، حيث تستطيع أن تُسهم في عمليّة الاحتباس الحراريّ. إذاً هو شكل جديد من توليد الطّاقة النّظيفة والمتجدّدة.
يقول ليانغ ــ شي لي، أحد أعضاء الفريق، إنّه سعيد بهذا الاكتشاف الّذي سيُسهم في حلّ مسألة الاحتباس الحراريّ، ويأمل تطويره، حيث يسعى الفريق اليوم إلى استعمال عنصر المنغانيز مكان الرّينيوم، لكونه أوفر وأسهل في إعادة الإنتاج. لكن بالعموم، يواجه هذا الاكتشاف العديد من الأسئلة، حول تعقيد هندسة النّظام الّذي يمكن أن يحتوي "الدّورة اللّامتناهية"، والقدرة على تصنيع كمّيات كبيرة تكفي للمقياس الصّناعيّ، أي المقياس القادر على تقليص انبعاث ثاني أوكسيد الكاربون بشكل عمليّ (من مداخن المصانع مثلاً)، وكيفيّة تفادي أي خلل في نظام تخزين أوّل أوكسيد الكاربون الأكثر سمّيّة وخطورة، خصوصاً أنّه غاز خفيف جدّاً، ومن الصّعب تحويله إلى سائل. أسئلة برسم العلم ومحرّكيه، وهنا يكمن النّقاش.