مارين لوبن «أصيبت بالخيبة» بعد العدوان الأميركي على سوريا. زعيمة اليمين الفرنسي العنصري، أحبّت بطلها ترامب حين كرهه الآخرون، وها هي تلومه بعدما صار بطل «الجميع». كان لا بدّ من 59 صاروخ «توماهوك» على قاعدة جويّة سوريّة، كي يفوز بلقب «كابتن أميركا»، من كان بالأمس فقط كابوس الديمقراطيّات الغربيّة.


بين ليلة وضحاها أمسى «معبود الجماهير»، في «العالم الحرّ» الذي يمتدّ من واشنطن إلى تل أبيب، مروراً بالرياض وإسطنبول. «الشريف» الشهم الذي أغضبه قتل الأطفال بالكيمياء في خان شيخون، قرر أن يعاقب الأشرار. كيف؟ عبر قتل أطفال آخرين شرق حمص. متى؟ فيما يموت الأطفال من الكوليرا في اليمن بفعل مكرمات آل سعود… وبعدما سقط مئات المدنيين الأبرياء في الموصل تحت قصف طائرات «التحالف».
لم ينتبه أيّ من الصحافيين الذين يعلمون علم اليقين أن الجيش السوري استعمل أسلحة كيميائيّة قبل أيّام، أن صواريخ العدالة الأميركيّة وجّهت إلى المطار نفسه الذي يقال إن الطائرات محمّلة بغاز السارين أقلعت منه في الأمس القريب… أي إنّ كابتن ترامب أراد تدمير مخازن الغاز المفترضة في مطار الشعيرات لتعميم «فوائده» على المنطقة بأكملها. نتحدّث هنا عن الأسلحة التي أعلنت «منظمة حظر الأسلحة الكيميائيّة» عن تدميرها بالكامل، منذ كانون الثاني 2016، فيما أكّد سيمور هيرش أن فصائل مسلّحة عدّة زُوّدت بها في سوريا، ما حذّرت منه دمشق مراراً من دون أن تلقى أذناً مصغية. كان ترامب عدوّ الاعلام رقم واحد، فإذا به يعتمد عليه في «صناعة الكذبة» التي تسبق كل عدوان استعماري جديد، من فيتنام إلى أفغانستان، ومن العراق إلى سوريا… أما إعلام الرجعيّات الخليجيّة، فقد كان جاهزاً قبل العدوان على الشعيرات، ليحتفل بهذا «الانتصار»، وليطالب بمزيد من «الإنجازات» التي ستحمل طبعاً الى شعوب المنطقة «العدالة» و«الديمقراطيّة» و«الاستقرار»، و«تعيد لها حقوقها المسلوبة».
لم ينتبه الاعلام الحر إلى أن الأطفال الذين يتاجر الاعلام المهيمن بجثثهم كل مرة، من دون أن يقول لنا من يدير السياسات ويبيع الأسلحة ويشعل الحروب التي تقتلهم، يخضعون لكاستينغ دقيق قبل احتلال الصدارة على الأغلفة والشاشات وفي العالم الافتراضي. و«أطفال» الكاستينغ، هم غير الأطفال العاديين الذين يموتون بالبشاعة نفسها في أماكن أخرى. حتّى الأطفال، قسّمهم العالم الحرّ إلى أخيار وأشرار، إلى فئة موتها يصدم، وأخرى موتها مستتر، علماً بأن الطفولة واحدة والقاتل واحد، وكذلك أدوات القتل وأهدافه.
لم ينتبه أحد إلى أن الـ sherif الأرعن الذي أراد أن يثبت وجوده، أو أن يجرّب اللعبة التي تسلّمها لتوّه، اختار معموديّة النار الخطأ لزعيم دولة عظمى تدّعي أن أولويّتها «محاربة الارهاب». فكل ما فعله هو تقديم خدمة لا تقدّر بثمن للإرهابيين الذين يعتبر مطار الشعيرات موقعاً حيويّاً لضربهم. في الـ2013 كان ترامب ضد الضربات الاميركية على سوريا. وخلال حملته الانتخابية ردّد أن على أميركا أن تتفادى الخوض في مشاكل الدول الأخرى وتركّز على مشاكلها الداخليّة. فمن الذي غيّر فجأة وجهة الرئيس الذي أعلن قبل أيّام أن «ذهاب بشّار لم يعد أولويّة»؟ أنوبة شهامة حقّاً؟ أم ضغوط صنّاع القرار والشركات المتعددة الجنسيات؟ المؤكد أنّه اليوم يشبه الوجه البغيض المتغطرس لأميركا، أكثر من أي وقت مضى: إنّه امتداد لبوش الأب وبوش الأبن، ولباراك أوباما ولو أنه أكثر «شجاعة» من سلفه، إذ خطا خطوة هوجاء نحو تحقيق ما فكّر به الآخر وبقي عاجزاً عن تحقيقه… بل إنّه يعيدنا إلى أمجاد رونالد ريغن وزمن السباق إلى التسلّح.
يذكّر نزيل البيت الأبيض أكثر فأكثر بفيلم شهير لستانلي كوبريك بعنوان Dr Strangelove. بعد عامين على أزمة الصواريخ في كوبا، حقق المخرج الرؤيوي، من وحي الحرب الباردة، فيلماً عبثيّاً ساخراً، عن رئيس أميركي مجنون يريد أن يضرب الاتحاد السوفياتي ويشعل حرباً نوويّة. هذه الشخصيّة الغريبة، المهووسة، المصابة بداء العظمة، تشبه دونالد ترامب بشكل مدهش. قالوا إن وصول هذا المجنون إلى البيت الأبيض بداية حرب أهلية في أميركا، فإذا به يوحّدها خلفه، كي يشعل حرباً عالميّة ثالثة.