«موضوعنا اليوم هو خصم يشكل تهديداً خطيراً لأمن الولايات المتحدة الأميركية. هذا الخصم هو واحد من آخر معاقل التآمر المركزي، وهو يحكم من خلال فرض خطط خمسية. ويحاول، من عاصمة وحيدة، فرض مطالبه... وهو يخنق، باطراد وحشي، الفكر الحر ويسحق الأفكار الجديدة... هذا الخصم أكثر قرباً من الديار. إنه بيروقراطية البنتاغون».

تلك مقتطفات من خطاب ألقاه وزير الدفاع الأميركي الأسبق، في ظل إدارة جورج بوش الابن، دونالد رامسفليد، في 10 أيلول 2001.

خطاب أراد من خلاله رامسفيلد الدعوة إلى إحلال نموذج جديد محل النموذج «البيروقراطي»، يرتكز على القطاع الخاص، معتبراً أنّ ذلك «مسألة حياة كل أميركي أو موته في النهاية».
كانت كلمات رامسفليد الشرارة الأولى لانطلاق أكبر عملية توظيف للشركات الخاصة في حروب الولايات المتحدة الخارجية، بهدف تأمين الدعم اللوجستي للجنود الزاحفين إلى ما وراء البحار، وتحريرهم من عبء المسؤولية والمحاسبة عما يرتكبونه في الدول المستهدفة، وبالتالي تخفّف واشنطن من الصورة «الوحشية» التي تلاحقها كلما قررت غزو الآخرين. استراتيجية يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، تنحو منحاها، وخصوصاً في ما يتصل بتعاملها مع العراق، وإن اختلفت الغايات والأدوات.
جاريد كوشنر، كبير مستشاري البيت الأبيض وصهر ترامب، والذي أوكل إليه الأخير، من ضمن المهمات التي كلفه بها، تقييم حال الحرب على «داعش»، نموذج واضح من مقتضيات تلك الاستراتيجية. كوشنر، القادم من عالم الاستثمارات العقارية، يطمح وفق صحف غربية، إلى تحديث الحكومة باستخدام الدروس المستفادة من القطاع الخاص. من هنا، جاء تعيين كوشنر رئيساً لـ«مكتب البيت الأبيض للتجديد الأميركي»، المناطة به مهمة تجديد الحكومة الفدرالية، والذي يُفترض أن يقوم السياسي الشاب، عن طريقه، بنقل ذهنية عالم الأعمال وخطواته أو ممارساته إلى القطاع العام.
تأسيساً على هذه المعطيات، لا يعود مستغرباً قيام ترامب بإرسال صهره، الذي يفتقر إلى الخبرة الحكومية والدبلوماسية، على رأس وفد عسكري إلى العراق في الأسبوع الماضي، البلد الذي يعتقد ترامب بأن واشنطن أضاعته من بين يديها، ولم تستثمر فيه بما يكفي بقدر ما أهدرت تريليونات الدولارات. حتى تتضح الصورة، يبدو مفيداً استحضار ما سبق زيارة كوشنر، الذي استكمل في بغداد المباحثات التي أجراها رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، مع ترامب، في واشنطن، وما أعقبها من مواقف عراقية وأميركية. في 27 آذار الماضي، أكد العبادي، عقب عودته من الولايات المتحدة، الأنباء التي تم تداولها عن تعاقد بغداد مع شركتين أميركيتين لتأمين الطريق الدولي الممتد من موانئ البصرة إلى الحدود مع الأردن. وقال العبادي لرؤساء الكتل البرلمانية إن الشركتين ستتوليان «مسؤولية تأمين الخط الدولي بعمق خمسة كيلومترات»، بالاعتماد على «أبناء المناطق والمحافظات التي يمر بها الطريق السريع لتوفير الحماية على جانبيه من أجل دخول البضائع وخروجها».


الهدف واضح:
تريد واشنطن
إحكام القبضة على الحدود مع سوريا

تصريح سبقه بأيام وصول فريق استطلاع تابع لشركة أمنية أميركية إلى المنطقة المذكورة، في ما قال قائد «التحالف الدولي» الجنرال ستيفن تاونسند إنها «تنقلات بالاتفاق مع الحكومة العراقية». اللافت أن مجلس العشائر الأنبارية المناهضة لتنظيم «داعش» لم يتردد في الإفصاح عن أن «القوة الأميركية الجديدة ستحمي الشريط الفاصل بين العراق وسوريا»، وأن «الشركة الأميركية المستثمرة ستقوم باستخدام تقنيات حديثة من طائرات مسيرة وكاميرات مراقبة لحماية الطريق». الهدف واضح إذاً: إنها الحدود السورية العراقية التي تريد واشنطن إحكام القبضة عليها، منعاً لتشكل منطقة نفوذ حيوية لإيران وحلفائها ما بين العراق وسوريا. هدف تأتيه واشنطن هذه المرة من بوابة الشركات الأمنية، بالتوازي مع تواصل ضغوطها لمنع «الحشد الشعبي» من دخول تلعفر، وإطلاقها بين الحين والآخر عمليات عشائرية ضد تنظيم «داعش» في غرب الأنبار، كان آخرها قبل أيام، حيث انطلقت قوات من الفرقة الأولى وحشد عشائر الأنبار، بإسناد من طيران «التحالف الدولي»، لاستعادة مناطق في جنوب غرب قضاء عانة.
هذا السباق لقطع الطريق على «الحشد» وحلفائه، يوازيه عمل، كان متوقعاً، لإعادة الاستيلاء على الأصول الوطنية العراقية تحت ستار الاستثمار. بعد أيام على زيارة كوشنر، الذي تفيد معلومات بمنحه جزءاً من «قصر سندباد» في المنطقة الخضراء (تم تشييده في عهد نظام البعث، وأعيد ترميمه ليصبح قصراً للمؤتمرات الدولية، قبل أن يُمنح للسياسي بهاء الأرعجي الذي أنفق على إصلاحه 4 ملايين دولار)، قام السفير الأميركي في العراق، دوغلاس سليمان، بزيارة لمدينة الجبايش جنوب محافظة ذي قار لتفقد الأهوار العراقية. هناك، تعهد سليمان بتشجيع الشركات الأميركية وحثها على الاستثمار في قطاع السياحة بمناطق أهوار الجبايش وعموم محافظة ذي قار، قائلاً إن «السفارة الأميركية بحثت مع إدارة المحافظة سبل تطوير القطاع السياحي في مناطق أهوار الجبايش بعد ضمها إلى لائحة التراث العالمي، من أجل توفير فرص العمل للأيدي العاملة المحلية لمواجهة الأزمة المالية الحالية». ذريعة لا يُستبعد أن تُرفع لافتتها في المناطق الغنية بالنفط، الذي يعتقد ترامب أنه كان على بلاده أن «تأخذها عام 2003»، متوقعاً أنه «ربما ستكون هناك فرصة أخرى»، تتدثر برداء الاستثمار والتوظيف والدعم المالي، وتستبطن عملية نهب قد لا تكون شركات المقاولات الخاصة مستبعدة من إجراءات حمايتها.
هي إذاً الاستراتيجية «الترامبية» القائمة على تحقيق أرباح أكبر بكلفة أقل، وتنويع وجوه «الغزوة المبكرة» للعراق، كما سمتها صحف غربية، حتى لا تبدو واشنطن كأنها تعود بقضّها وقضيضها العسكريين إلى بلاد الرافدين. إلا أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن طموحها بتعزيز قواعدها العسكرية على الأراضي العراقية، وزيادة عديد جنودها هناك. جاريد كوشنر، الذي يدور حديث عن توسيع صلاحياته ومنحه نفوذاً أشبه بما كان لبول بريمر أيام الاحتلال، بحث، خلال لقائه العبادي، الإبقاء على القوات الأميركية في العراق بعد هزم تنظيم «داعش»، ومنحها قواعد دائمة. وبحسب المعلومات، فإن الولايات المتحدة تنوي زيادة عديد قواتها، البالغ حالياً 22 ألفاً ما بين جنود ومستشارين ومتعاقدين، إلى 40 ألفاً. زيادة تتطلب، طبعاً، موافقة الحكومة والبرلمان، وهو ما قد تعمد الإدارة الأميركية إلى الالتفاف عليه بإرسال تعزيزات على دفعات، والاستعانة بشركات خاصة للقيام ببعض مهمات الجيش، وبالتالي تقليص عدد البزات الرسمية لمصلحة المقاولين الخاصين.