تحنو فاديا دندن برأسها على الشمعة. تقلّبها برفق بين كفيها كأنها تلاعب طفلاً. بعد جلوس لساعات، تمتلئ الطاولة أمامها بشموع ملوّنة مزيّنة بالورود وأقمشة الدانتيل. منذ ثلاثين عاماً، صارت الشموع جزءاً من أسرتها بعدما امتهن زوجها يوسف دندن حرفة صناعة الشمع. بلمسات الأنثى والأم، تنفخ فاديا الروح في الأشكال التي يصنعها زوجها.


لا تكتمل «الشعنينة» في شرقي صيدا إلا بشمع «الأبونا» يوسف. قبل العيد بأشهر، تحجز الكنائس والأخويات والمؤمنون حصصهم من شمع دندن الذي «يستحق دخول كتاب غينيس لأنه يضيء بشكل متواصل لستة أسابيع». ليست الميزة في أنه «شغل بيت» وليس تجارياً، بل في علاقته بالذاكرة الجماعية لمسيحيي شرقي صيدا الذين هُجّروا عام 1985 قبل أن يبدأ بعضهم بالعودة بعد سبع سنوات. «الأبونا» لم يختر طوعاً تصنيع الشمع. التهجير أجبره على ذلك. «كانت النية ألا تعتم الكنائس وأن يبقى مذبحها مضاءً ولو بنور شمعة، وألا يفقد القداس جزءاً من طقوسه».


صناعة الشمع
وتزيينه جزء من صمودنا في الأرض
بعد مرارة التهجير


بين عامي 1966 و1973، تعلّم الفتى يوسف، بالنظر، طريقة صنع الشمع اليدوي من رهبان دير المخلص في جون، حيث كان يدرس، لكنه انشغل عن هذه الحرفة بدراسة اللاهوت. عام 1986، خلال إقامته في كفرحونة (قضاء جزين) بعد تهجيره، فُقد الشمع في كنائس جزين، حيث كان يقيم القداديس، بسبب إقفال الطرقات. عمل على تجميع بقايا الشمع الذائب من الكنائس وإعادة طبخها وصبّها في قوالب. لاحقاً، بدأ يجتاز معبر باتر إلى الشوف لشراء ألواح الشمع الجاهز وإعادة صبّها في معمله الصغير في بيته في كفرحونة. خلال إعادة إعمار منزله المهدم في الصالحية، شيد معملاً في قبو البيت. على نحو تدريجي، طوّر مع زوجته تقنيات الحرفة. أشقاؤه في ألمانيا، وصلوه بسيدة متخصصة بصناعة أشكال متميزة، فسافر وتعلم على يديها طوال أسبوعين. مذذاك، صار المعمل يعتمد على الآلات والتقنيات الحديثة، لكن الشمع حافظ على طابعه البلدي. من ألمانيا وإيطاليا، تعلم كيفية إدخال الصباغ على طبخة الشمع لتأخذ ألواناً مختلفة.
شهرة شمع دندن وصلت إلى كندا من خلال ابنه غسان الذي كان يساعده في المعمل قبل أن يسافر. في أحد «الشعنينة»، في كندا، حمل غسان شمعة مزينة بطول مترين إلى القداس. لفتت النظر ووصلت أصداؤها إلى لجنة «غينيس» التي تفاوضه على إدخالها في الكتاب.
القصة لدى «الأبونا» دندن ليست شمعة تنير الظلمة وتذوب سريعاً. تمسكه بصناعة الشمع وتزيينه «جزء من صمودنا في الأرض بعدما ذقنا مرارة التهجير، ومحافظة على الطقس المرتبط بالأفراح والأعياد والنذورات والصلوات». زبائنه ليسوا من المسيحيين فحسب. كثر من أهالي صيدا والجوار يقصدونه لحجز طلبيات خاصة بالمولد النبوي أو بمناسبات خاصة كالولادات والأعراس.