بالأمس تمّ الاعتداء على عضو مجلس بلدية عين دارة الذي كان يحاول تصوير موقع معمل الاسمنت المرفوض كلياً من قبل البلدية والأهالي، بعد أن تم رفضه في مناطق أخرى في منطقة البقاع... وغداً اعتصام أمام معامل الاسمنت في شكا.


وإذا أضفنا مجموعة الاحتجاجات في الفترة الأخيرة على معامل الاسمنت في لبنان، ومضمون التقرير الثالث عن تغير المناخ في لبنان الصادر مؤخراً عن وزارة البيئة والذي اعتبر أن صناعة الاسمنت من أكثر الصناعات تسبباً بتغير المناخ في لبنان، يفترض إعادة فتح هذا الملف على مصراعيه، مع ملف إعادة تنظيم قطاع المقالع والكسارات والمرامل بشكل عام والمخطط التوجيهي الشامل لترتيب الأراضي.
أعاد هذا التقرير أو "البلاغ الثالث" ما كان قد أكده البلاغ الثاني عام 2011، من أن المصادر الأساسية لانبعاثات الغازات الناجمة عن القطاع الصناعي كانت ثاني أوكسيد الكربون وثاني أوكسيد الكبريت الناجمة عن صناعة الإسمنت، والتي ارتفعت وزادت في السنوات الأخيرة بسبب زيادة أعمال البناء. هذه النتائج التي لم تأخذها وزارة البيئة بالاعتبار عندما وافقت بسرعة على دراسة الأثر البيئي لإنشاء معامل جديدة (عين دارة مؤخراً على سبيل المثال)، بدل أن تطلب التريّث، تمهيداً لإجراء دراسة تقييم الأثر البيئي والاقتصادي لهذا الخيار بالمجمل، مع دراسة للسوق ولسير هذا القطاع وتحديد الحاجات الوطنية ومعرفة أسباب دعم إنتاج هذا القطاع ولمن تذهب أرباحه. في وقت تتم حمايته وترتفع أسعاره على المستهلك اللبناني بالمقارنة مع إمكانية فتح الأسواق والمنافسة، قبل أن يسمح بإنشاء معامل جديدة بهدف زيادة التصدير!
انطلاقاً من كلّ هذه المعطيات، يفترض مقاربة ملف صناعة الاسمنت في لبنان من خلفية مختلفة تماماً عن تلك المتداولة حالياً، إن من قبل الحكومة والوزارات المعنية أو من قبل المتضررين من المناطق المجاورة لمراكز التصنيع (الموجودة في شكا وسبلين أو المنوي إنشاؤها كما في عين دارة)، على القاعدة التالية: إذا كان هذا القطاع وهذه الصناعة تعتبر استراتيجية في لبنان على المستوى الوطني، وهذا ما يبرر حمايتها الآن عبر زيادة الرسوم الجمركية بنسبة 75% على استيراد الاسمنت من خارج لبنان (وترك الأسعار تتضاعف لكي يحقق أصحاب هذه المعامل أرباحاً طائلة)... فيصبح السؤال عندئذ: "استراتيجية" بالنسبة إلى من؟ والحماية لمصلحة من؟
للخروج من هذه المشكلة بشكل عادل، على الدولة أن تضع يدها على هذا القطاع وتحقق هي الأرباح، بعد أن تكون قد حددت مخططاً توجيهياً شاملاً لترتيب الأراضي واختارت الصالح منها وفق شروط بيئية وصحية عالية، تبرر ارتفاع الأسعار... أو فلتسمح بالاستيراد وفتح الأسواق وتحريرها، مما يساهم حتماً في خفض الأسعار والانبعاثات والتلوث، والحد من هذه الشهوة المحمومة للاستثمار ولإنشاء معامل جديدة، بحجة المساهمة في إعادة إعمار سوريا، أو بحجج أخرى، وحماية الجبال والمدن والقرى والسكان من المخاطر البيئية والصحية الأكيدة.
باختصار، إن الذي يفسر هذا الاستبسال والاستقواء لإنشاء معامل للاسمنت في لبنان بشكل عام وفي عين دارة مؤخراً بشكل خاص، ليس بسبب توقع زيادة الطلب لإعادة إعمار سوريا فقط، بل لأن هذا القطاع مربح جداً في لبنان. ولماذا هذا القطاع مربح جداً في لبنان؟ لأنه يتمتع بحماية استثنائية. فالاستيراد ممنوع وقد تضاعفت الأسعار بالنسبة إلى الأسواق المحيطة والعالمية ويحقق المستثمرون- المحتكرون في هذا القطاع (ثلاثة معامل) أرباحاً خيالية. فلماذا لا يستبسل المستثمرون وعلى حساب كل شيء وأي شيء وأي أحد؟ وقد ساعدهم في ذلك ضعف الإطار التشريعي والرقابي والاقتصاد الحر المتفلت من أي قيد واستثمار ذوي السلطة في هذه القطاعات المربحة على حساب الاقتصاد اللبناني والموارد والبيئة والصحة العامة، وضعف وزارة البيئة التي ليس لديها رؤية ولا استراتيجية ولا وصل إليها يوماً وزراء لهم رؤية، وعدم منح ما يسمى «المخطط التوجيهي الشامل وترتيب الأراضي» الاهتمام الذي يستحق وترجمته في قوانين ومراسيم تنظيمية. بالإضافة إلى تسليم واستسلام أكثرية الشعب اللبناني لقدره ولحكامه ولاعتقاده أن مفهوم «السيادة» يقتصر على رفض الاحتلالات وليس على سيادة الشعب والدولة على مواردها الأساسية أيضاً!

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]