يقال: الفن ميدان الفنانين، لكن القيِّم الفني (curator) ورئيس إحدى أكبر منظمات الفن في نيويورك «كرييتف تايم» (creative time) وصاحب العديد من المؤلفات عن الفن ناتو تومسون، يقول في كتابه الجديد «الثقافة سلاحاً: فن التأثير في الحياة اليومية» إنه منذ مطلع القرن العشرين استحال الفن سلاحاً بيد رأس المال، وأداة هيمنة فكرية، إذ لم يعد الهم يقتصر على بيع منتجات فقط وإنما بيع أسلوب حياة.

تضمّ الثقافة ــ وفق الكاتب ـــ الأفلام والبرمجة وألعاب الفيديو والدعاية والرياضة ومنافذ البيع الرقمية، والموسيقى ومتاحف الفن والشبكات الاجتماعية، إضافة إلى أمور أخرى.
يكمن هدف المؤلف في شرح الطريقة التي تستعمل السلطة فيها الفن، كونه جزءاً من الثقافة، لإدامة موقعها وتوسيع دائرة تأثيرها في المجتمعات والدور الذي يمارسه كل منا، نحن الأفراد، في هذه العملية.

فالتواصل والعلاقات العامة أضحتا من الدوائر الأساس في كل صناعة. ولأن الصناعة تعتمد على طريقة تفكيرنا، فقد أضحى الفن والثقافة على نحو عام سلاحاً عميق التأثير وكلّي الوجود. لقد اندمج الفن والحياة، وفق ما يقول الكاتب. لذا، فمن السذاجة البحث في الفن بمعزل عن الطريقة التي وظفته السلطة فيها، على نحو يومي.
من بين أهداف الكاتب توضيح مدى إدراك المؤسسات الصناعية مثل «أبل ستورز» و«فيسبوك» لأهمية العلاقات العامة وفن التأثير في الأفراد وفي حيواتنا اليومية، حتى بدءاً من تكتيكات محاربة المقاومين في العراق إلى جذور نمو الشركة الهولندية للأثاث مسبق الصنع «إيكيا» (ikea) ومقاهي «ستاربكس»، وإلى «روك فور أفريكا» (rock for africa) وتصميم الحاسوب الشخصي «ماك» والحرب على المخدرات. يناقض الكاتب نظريات وآراء مختلفة تعود إلى منظري الفن والفلاسفة، بهدف فهم سبب عدم تصرف البشر على نحو متزن. يعيد طرح تساؤل كارل ماركس عن سبب اصطفاف الشعب الفرنسي خلف الطاغية لوي بونابرت عام 1852، وسبب إخفاق اليسار البريطاني في مواجهة مارغريت ثاتشر، وتصويت الطبقة العاملة في ولاية كنساس لصالح الحزب الجمهوري. فمن غير المعروف الكيفية التي تؤثر فيها الدعاية في جمهور آخر على نحو جمعي، وتحدد أسلوب تصرفهم. يضيف الكاتب في مدخله النظري: «إننا نحاول فهم كل أمر، من التغير المناخي إلى الحرب الكونية على الإرهاب إلى جوهر الرأسمالية والتكنولوجيا البيولوجية، لكننا نستوعب هذه المعلومات من خلال الذات، لأننا نؤوّل العالم وفق حاجاتنا ورغباتنا، ولذلك فإننا غير محصنين في وجه سلطة أقوى منا تعرف كيف تخاطبنا نحن وحاجاتنا». بعد المقدمة، ينتقل الكاتب إلى التذكير ببعض الحروب الثقافية التي اندلعت في الولايات المتحدة الأميركية في ثمانينيات القرن الماضي ومطلع تسعينياته، مؤكداً أنها لم تكن دوماً بين الظلمة والنور، وبين المحافظين والليبراليين، وبين الماضي والمستقبل. لقد كانت قصة انكماش وخوف (أو رعب). الحروب لم تكن على الثقافة فقط وإنما كانت حروباً تستخدم الثقافة. إذ أنه ما دام المجتمع يضم سياسيين ورجال أعمال ومديري الدعاية والتسويق وخبراء العلاقات العامة وناشطين وفنانين ومساومين، أضحى من الواضح أن المعركة لن تحسم على أساس التفكير المنطقي والمعلومات. دخلت الدعاية في كافة مجالات الحياة، وأضحت أقسام العلاقات العامة جزءاً لا يتجزأ من أي عمل. الثقافة ـــ من منظور الكاتب ــ جهاز خطير، إنه سلاح القرن الحادي والعشرين.


يقسّم الفنانين إلى ثلاث فئات: المتنبئون والمقاومون وصانعو العالم

أما في ما يخص الفنانين، فيقترح الكاتب تقسيمهم إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى تضم المتنبئين الذين يرون المستقبل من خلال الفن ومنهم آندي وارهول (andy warhol)، الذي تمكن من رؤية اندماج الفن والاستهلاك. ثمة فئة من المقاوِمين، الذين يوظفون الفن لمقاومة قوى السلطة ومنهم الفنان الذي صمم ملصقات معاداة الحروب، والفنانين النشيطين مثل أبي هوفمن الذي أغرق أرضية بورصة نيويورك بأوراق الدولارات بهدف فضح مدى جشع رأس المال. كما أورد مَثَل الفنان ودارس الفنون في معهد مدرسة الفنون في شيكاغو دريد سكوت تايلور الذي صمم عام 1989 مونتاج «ما أفضل طريقة لعرض العلم الأميركي؟». صوّر سكوت علم الولايات المتحدة وهو يحترق، وآخر ملفوفاً على توابيت، وأسفل الرسم دفتر للزوار كي يسجلوا آراءهم، وتحته علم أميركي آخر يضطر كل من يريد تسجيل رأيه للدوس عليه. ممكن تصور ردود الفعل على هذا العمل الفني الاحتجاجي، حيث وصلت الأمور حتى بالرئيس بوش لإدانته، وتحرك الكونغرس لفرض قوانين جديدة لمعاقبة كل من يسيء إلى علم الدولة... وأخيراً هناك فئة صانعي العالم ومنهم المصور روبرت مبلثورب الذي نوّر العالم بفن المثليين عبر مصوراته دوماً وفق الكاتب.
يتنقّل الكاتب في مؤلّفه بين الماضي والحاضر، لكنه دوماً يطرح تفاصيل المعارك على الفن وحروب السلطة على الثقافة التي لا تعجبهم، ومن ذلك محاولة فرض رقابة على توزيع أغنيات يرى بعضهم أن كلماتها تحوي ألفاظاً خادشة للحياء العام! ونجح بعض المعارضين في تأسيس مركز فرض وضع تحذير (تباع للراشدين فقط) على بعض أشرطة الموسيقى. لا ينفي الكاتب أن ألفاظ بعض الأغاني «قذرة» لكن ما يركز عليه هو محاربة الثقافة والفن من منظور فكري.
تغير الوضع إلى حد ما مع فوز كلينتون، الذي كان من عازفي موسيقى الجاز، ووظف الثقافة في حملته الانتخابية على نحو غير مسبوق. يعرّج الكاتب أيضاً على الحركة «الدادائية» الفنية التي ولدت عام 1916 في الملهى الليلي «فولتير» الذي كان مركزاً للإبداع والتقصي الثقافي الجماعي، وأشبه بجزيرة محاطة بالأعداء استقطبت الذين خاب أملهم من النظام والرافضين لكل ما يأتي من السلطة، ليؤكد على أنّ الفن ونقد الفن بإمكانهما أن يكونا أدوات لتحقيق نقاط سياسية.
هناك نقاط كثيرة حول علاقة الثقافة بالهيمنة وكيفية مقاومة ذلك. يتوقف الكاتب عند كيفية تأثيرها في الأفراد والجماعات. يناقش مغزى لوغو مقاهي «ستاربكس»، وتصميم الحاسوب الشخصي الذي طرحه ستيف جوبز بالتعاون مع المصمم آيفي، وتأثير الفيسبوك والآيفون في تغيير نمط حيواتنا وحتى تصرفاتنا اليومية.
لم تعد الثقافة عدواً بل استحالت سلاحاً. إنها دينامية واسعة الأطياف تفرض نفسها على كافة الأمور، من السياسة إلى الميديا وإلى الدعاية وإلى الحرب. فكل مسؤول علاقات عامة وكل معلِن يفهم إمكانية تقليص البشر إلى مجموعة من المشاعر التي يمكن التلاعب بها. يقال إن الفن بيَّاع، ويضع ملمساً ناعماً على المشروع النيوليبرالي.