من منا لم يسمع بتمبكتو، الواقعة في وسط الصحراء الكبرى أو الصحراء الليبية وضمن حدود دولة مالي الحديثة؟ هذه المدينة كانت رمزاً للألغاز في أوروبا (وأذكر في هذا المقام أني سُألت، إبان دراستي في ألمانيا، ما إذا وجدت حقاً مدينة اسمها تمبكتو!)، وبقيت كذلك إلى أن بدأ بعض رحالتها يكتشفونها لأنفسهم ولحضاراتهم، في القرن الثامن عشر، وعلى نحو أفضل في القرن التاسع عشر. شكّلت المدينة مركزاً حضارياً إشعاعياً للمنطقة المحيطة بها، من شبه الجزيرة العربية شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وكانت وجهة طلاب العلم لأجيال كثيرة، وعبر قرون.

العودة إلى تاريخ المدينة والدول/ الإمبراطوريات التي قامت في الصحراء الليبية تشكل مدخلاً موسعاً لكتاب جشوا همر «أبطال مكتبة تمبكتو وسباقهم لإنقاذ أكثر مخطوطات العالم قيمة» وحديثه عن كيفية إنقاذ مئات الآلاف من الوثائق التاريخية النفيسة والفريدة التي تعدّ مصدراً مباشراً ووحيداً لتاريخ الإقليم وعلاقاته بشمالي إفريقيا وبشبه الجزيرة العربية وبأوروبا.

البدايات كانت بأحمد بابا، العالم الكبير الذي أسرته القوات المغربية في عام 1591، وقادته إلى مدينة مراكش، لكن إشعاعه الحضاري وإسهاماته في نشر العلم وقيم التسامح صمدت أكثر من أعداء قطعان الجهل، إذ ثمة معهد علمي في تمبكتو يحمل اسمه. أما مديره، فهو الشخصية الأسطورية عبد القادر حيدرة، الذي عمل على جمع مخطوطات توافرت لدى العامة في وسط الصحراء الليبية وغربها، وناضل حتى اعترف العالم بأهمية لُقاه التاريخية، التي بدأها والده من قبله، وأورثه مهمة الحفاظ عليها وإثرائها. عبد القادر حيدرة، الشاب اليافع الذي تسلم موقع والده بعد وفاته، كان عليه التنقل من بيت إلى آخر، ومن بلدة إلى أخرى وسط الصحراء، ساعياً لجمع المخطوطات التاريخية التي كانت بحوزة أفراد وعائلات، وذلك لم يكن من الأمور السهلة. لكن عمل عبد القادر حيدرة الأهم، الذي ستذكره كتب التاريخ، هو تمكنه من إنقاذ نحو نصف مليون مخطوطة كانت معرضة للفناء على يد قطعان البداة الوهابية التي اجتاحت المنطقة قبل سنوات، وحاولت استبدال ثقافتها التي لا تعرف سوى الجهل والكراهية والقتل والتكفير وقطع الأطراف بقيم العلم والحب والحياة والتسامح. إسلام الصحراء الليبية كان صوفياً متسامحاً مع نفسه ومع الآخر. وهو ما زال كذلك بعد دحر تلك القطعان.
في عام 1509، وصل ليون الإفريقي، أو محمد الوزان الزياتي الغرناطي، المقيم في مدينة فاس المغربية إلى مدينة تمبكتو وكتب عام 1526 مشاهداته فيها وما تعلم في المدينة. كتب الوزان وقتها أن ربع سكان المدينة، البالغ عددهم مئة ألف نسمة، هم من الطلاب، جاؤوا من كافة المناطق المحيطة: مصر وتونس والجزائر وشبه الجزيرة العربية، لتعلم الشريعة والأدب والعلوم على يد علماء إمبراطورية سنغاي، التي قادها ملكها الحاج أسكيا محمد توري: فالملح يأتي من الشمال، والذهب من الجنوب، والفضة من بلاد الرجال البيض البشرة، لكن الحِكَم وكلمة الخالق تعثر عليها في تمبكتو. طبيعي أن طباعة الكتب كانت مزدهرة في المنطقة في تلك العصور وهو ما دعا ليون الإفريقي إلى تذكير القراء بأن مدينة فاس تحتضن نحو خمسمئة معمل أوراق تصدر إلى منطقة الساحل، إضافة إلى مايورقا والأندلس.


إسلام الصحراء الليبية كان صوفياً متسامحاً مع نفسه ومع الآخر

ثراء المنطقة لم يكن في العلم فحسب. إذ عندما توجه موسى الأول، ملك مالي، للحج عام 1324 أخذ معه ما يحمله ثمانين جملاً، وكانت هداياه للملوك والعاملين في القصور من التبر أو القطع الذهبية لدرجة أن سعر ذلك المعدن الثمين في المدينة انخفض في القاهرة لسنوات مقبلة. أما فلكيّو تمبكتو، فدرسوا حركة النجوم والكواكب ورسموا حركاتها وعلاقتها بالفصول الأربعة، وقدروا بناء على ذلك وجهة القبلة ومواقيت الصلاة، وسجلوا ذلك في مؤلفاتهم، التي جمعها عبد القادر حيدرة، بل إنهم سجلوا الظواهر الفلكية ومنها مطر النيازك عام 1593. من المؤلفات المهمة التي حوتها مكتبة تمبكتو تلك التي تتناول الباه ونصائح للرجال والنساء بخصوص العلاقات الجنسية بينهما، وكذلك كيفية معالجة العقم!
لا يتناول المؤلف فقط مسألة مغامرة عبد القادرة حيدرة لإنقاذ تلك المخطوطات، بل يتعامل مع كيفية نشوء تلك المكتبة ومؤلفاتها تاريخياً، وحسناً فعل، إذ إن هذا المؤلف تسجيل لمرحلة تاريخية تدحض ادعاء مؤرخين أوروبيين: إفريقيا ليس لديها تاريخ، فأقوامها أميون، ولا لغة لديهم. ما لدينا عن إفريقيا هو تاريخ الأوروبيين فيها. يذكر الكاتب كثيراً من المؤسسات الغربية التي أسهمت في دعم عبد القادر حيدرة ومشروعه لإنشاء مكتبة تضم تلك المخطوطات النفيسة، والحفاظ عليها وترميمها. كما يذكر بعض المؤسسات العربية الخاصة والعامة التي حاولت اللحاق بالمشروع، فقدمت له مساعدات، لكنّ التكفيريين لم يقدموا للمدينة سوى قطعانهم وفكرهم المتخلف المعادي للإنسانية. يشير الكاتب إلى أن العمل في بناء مكتبات في المدينة قاد إلى إنعاشها اقتصادياً، وأسهم في تحسين عيش أهلها، لكنه قاد أيضاً إلى اشتهارها عالمياً حيث بدأ عقد احتفالات ثقافية ذات طابع عالمي ومنها مهرجان الموسيقى في وسط الصحراء وتحت الخيام، شاركت فيه مجموعة من الفنانين المحليين والأفارقة، إضافة إلى فنانين من أوروبا. كما يتناول الكاتب مسألة التدخل الفرنسي ــ الأوروبي في المنطقة بعدما احتل التكفيريون المدينة والمنطقة، وأعملوا في عمرانها تخريباً وتدميراً، وفي سكانها قتلاً. ويتناول ببعض التفاصيل علاقات تلك القطعان ببعضها وبمعلميهم من خريجي «جامعة عبد العزيز السعودية»، مركز الفكر التكفيري المعاصر، وعلاقاتهم بالحركات التكفيرية الأخرى في الجزائر، مما يساعد القارئ في تعرف كيفية تمكنها من الانتشار إلى ذلك المدى، ودور ما يسمى الربيع العربي في تغذية الفكر التكفيري المتطرف ونشر الفوضى خصوصاً بعد العدوان الناتوي-الأعرابي على ليبيا. يحوي المؤلف قصص بطولات فردية وجماعية أيضاً، لكن أهمها تفاني عبد القادر حيدرة وشجاعته وحكمته وإنقاذه مئات الآلاف من المخطوطات العربية والإسلامية من خطر التدمير، مقدماً خدمة للبشرية والإنسانية لا ثمن لها.