باريس | لم تكن مرشحة اليمين المتطرف لانتخابات الرئاسة الفرنسية، مارين لوبن، لتحلم بسيناريو أكثر ملاءمة لنهاية حملتها الانتخابية. فالهجوم الإرهابي الذي هزّ الشانزليزيه، ليلة أول من أمس، أعاد قضايا الأمن والإرهاب، التي تعد من التيمات الأثيرة لحزب لوبن، إلى واجهة النقاش الانتخابي.


جاء ذلك ليقلب موازين القوى، ويعيد توزيع الأوراق الانتخابية، قبل ثلاثة أيام من موعد الاقتراع، ما يزيد الغموض الذي يكتنف المشهد الانتخابي، بفعل تقارب مستويات المرشحين الأربعة الرئيسيين.
وتضاربت التقديرات بخصوص انعكاسات هجوم الشانزليزيه على الناخبين، فالأزمات ذات الطابع الأمني عادة ما تصب في مصلحة مرشحي اليمين واليمين المتطرف. فقد كانت حادثة أمنية (غير إرهابية) قد لعبت دوراً بارزاً في مرور لوبن الأب إلى الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة عام 2002.
هي سابقة استلهم منها ساركوزي برنامجه، الذي ارتكز على إبراز الإشكالات الأمنية وتضخيمها، للفوز بالرئاسة عام 2007. لكن بعض الخبراء ينتقصون المفعول المحتمل لهجوم الشانزليزيه، من منطلق أن هذه الحادثة الإرهابية تأتي في الوقت الذي شارفت فيه الحملة على نهايتها، وقبل 24 ساعة فقط من بداية «الصمت الانتخابي»، ما يحد كثيراً من الهامش المتبقي لمرشحي اليمين واليمين المتطرف لـ«الاستثمار» في هذا الهجوم والتعليق عليه، وركوب موجة الخوف والعداء للأجانب والإسلاموفوبيا التي عادة ما تفرزها مثل هذه الحوادث الإرهابية.
أصحاب هذا الرأي، الذي يعتقد بمحدودية تأثير هجوم الشانزليزيه على موازين القوى الانتخابية، ينطلقون من مبدأ أن «الاستغلال السياسي» لقضايا الإرهاب، وليس الإرهاب بحد ذاته، هو ما يؤثر في خيارات الناخبين. في النتيجة، قد لا تمنح المهلة المتبقية من الحملة، أي 24 ساعة فقط، فرصة كافية لمرشحي اليمين واليمين المتطرف لـ«استثمار» هذا الظرف الأمني انتخابياً، بما من شأنه أن يسهم في التأثير في توجهات الناخبين ودفعهم إلى تغيير خياراتهم.


قد لا تكفي ساعات
الصمت الانتخابي المحدودة لاستثمار الهجوم جيداً

ولعل هذا ما يفسر مسارعة لوبن وفيون إلى توجيه سهام انتقاداتهما، منذ الساعات الأولى لهجوم الشانزليزيه، إلى الأداء الأمني للحكومة، متهمين إياها بالتقصير في التصدي لظاهرة التطرّف والإرهاب، وذلك خلافاً لـ«التقليد الجمهوري» المعمول به في فرنسا، الذي يقضي بتقوية اللحمة الوطنية في مثل هذه الظروف الأمنية، والترفع عن تراشق التهم التي من شأنها أن تحبط معنويات المواطنين، وتضاعف حالة التوجس والخوف التي يهدف الإرهابيون إلى زرعها وتغذيتها.
لكن خبراء آخرين يعترضون على هذا التحليل، معتبرين أنه يغفل معطى مهماً هناك إجماع على أنه سيكون ذا تأثير حاسم في نتائج الاقتراع، ويتمثل في ظاهرة «الناخبين المترددين» الذين يعتزمون المشاركة في التصويت، لكنهم لم يحددوا بعد لأي مرشح سيقترعون. وهؤلاء يمثلون مخزوناً ضخماً يقدّر بنحو 30% من المسجلين على القوائم الانتخابية.
ورغم أن مهلة الساعات الأربع والعشرين المتبقية قبل «الصمت الانتخابي» تبدو غير كافية، بالفعل، لإقناع الناخبين الذين كانوا قد حسموا خياراتهم بأن يغيروا المرشح الذي يعتزمون التصويت له، على خلفية هذا التهديد الإرهابي الذي ألقى بظلاله على الانتخابات، فإن الأمر يختلف جذرياً بالنسبة إلى المترددين الذين كانوا ينتظرون اللحظة الأخيرة لتحديد خياراتهم. هؤلاء سيكون لهجوم الشانزليزيه تأثير مباشر في ترجيح خياراتهم، من دون الحاجة إلى تحريض انتخابي أو استغلال سياسي لهذا الظرف الأمني الحساس.
ولم تنجح آخر الاستطلاعات، التي نُشرت أمس، في رصد التأثيرات المُحتملة للهجوم في خيارات الناخبين، إذ جاءت نتائج هذه الاستطلاعات متضاربة، ففيما رصدت مؤسسة Oxola لسبر الآراء صعود شعبية مارين لوبن مجدداً، بعد ثلاثة أسابيع من التراجع، محققة تقدماً طفيفاً قدر بـ 1٪‏، لتتصدر بـ 23٪‏. ولم يسجل أي تأثير للهجوم الإرهابي في شعبية بقية المرشحين، لكن استطلاعاً آخر أجرته مؤسسة Elabe جاء مناقضاً، وبينت نتائجه أن شعبية لوبن استمرت في التراجع (21,5٪‏)، فيما تواصلت الديناميكية التي رُصدت قبل الهجوم لدى مرشح اليسار الراديكالي، جان لوك ميلانشون، ومرشح اليمين التقليدي، فرانسوا فيون، إذ سجل الأول تقدماً قدّر بـ 1,5٪‏، ليصل إلى 19,5٪‏، بينما تقدّم الثاني بـ 0,5٪‏، ليصل إلى 20٪‏
بذلك، لم تكن هذه الاستطلاعات عاجزة، فحسب، عن التنبؤ بنتيجة الاقتراع الذي سيجرى غداً، لأن الفوارق بين المرشحين أقل من هامش الخطأ في الاستطلاعات، بل عجزت أيضاً عن التنبؤ بدقة بمن سيكون المستفيد من الظرف الأمني الذي عاد ليخيم على المشهد الانتخابي.
هذه الاستطلاعات حملت مؤشراً مهماً يتعلق بنسبة الممتنعين عن التصويت، التي تمثل أحد المجاهيل الرئيسيّة للمعادلة الانتخابية. فقد تراجعت النسبة المتوقعة للممتنعين إلى 29٪‏، بعدما كانت تقدّر بـ 35٪‏، قبل 24 ساعة من الهجوم. وهذا يؤشر على أن الناخبين عازمون على رفع التحدي، وأن التهديدات الإرهابية لن تدفعهم إلى لزوم منازلهم، كما كان يخشى بعض المحللين.
وترجح التقديرات أن هذا التراجع في نسبة المتتبعين سيصبّ في الأغلب لمصلحة مارين لوبن. فالقطاع الأوسع من هؤلاء الممتنعين هم ناخبو اليمين المحافظ، الذين عزفوا عن التصويت لفرانسوا فيون بسبب الفضائح المالية التي لاحقته طوال الحملة الانتخابية. هؤلاء كانوا، قبل هجوم الشانزليزيه، يترفعون عن خرق «الحاجز النفسي» الذي يفصلهم عن التصويت للوبن، لكن الظرف الأمني المستجد قد يدفع قطاعاً واسعاً منهم إلى تجاوز هذا المحظور... فهل يعني ذلك أن «داعش» سيكسب رهانه الهادف إلى ترجيح كفة المصوّتين للوبن؟