الجزائر | أطلق أبرز المرشحين للرئاسيات الفرنسية، تصريحات مثيرة حول التاريخ الاستعماري لبلادهم في الجزائر، بغرض استقطاب أصوات فئات في المجتمع الفرنسي لا يزال يشدها الحنين إلى الجزائر.


وعلى الرغم من مرور 55 سنة من استقلال الجزائر، فإنّ الحديث عن تاريخها مع الاستعمار الفرنسي، لا يزال يتجدد مع كل مناسبة انتخابية أو تاريخية في فرنسا، بسبب وجود عشرات الآلاف من الفرنسيين الذين خرجوا من الجزائر قبيل استقلالها، والذين لا يزالون متشبثين بما يعتبرونه بلدهم الأصلي الذي عاشوا فيه طفولتهم وشبابهم.
ويحاول المرشحون للانتخابات الفرنسية، في كل مرة استغلال هذا الغضب الذي «يسكن فرنسيي الجزائر»، باعتبارهم كتلة ناخبة مهمة باستطاعتهم استمالتها لمصلحتهم. وتتكون هذه الفئة تحديداً من «الأقدام السوداء»، وهم الفرنسيون المولودون بالجزائر، وأيضاً «الحركي»، وهم الجزائريون الذين حاربوا إلى جانب فرنسا ضد أبناء وطنهم خلال ثورة التحرير.
وتميل هذه الفئة من «فرنسيي الجزائر» في العادة إلى التصويت لليمين، لذلك اشتد التنافس بين مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، ومنافسها مرشح «الجمهوريين» فرنسوا فيون، على استقطاب هؤلاء في خلال الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية. وفي آخر تصريحاتها، ذكرت لوبن في حوار لها مع تلفزيون «بي أف أم تي في»، أن «الاستعمار الفرنسي جلب الكثير للجزائر من مستشفيات وطرقات ومدارس... وحتى الجزائريون أصحاب النيات الحسنة، يقرّون بذلك». وتابعت: «أنا أدافع عن المهجرين، أظن أن معاملتهم كانت سيئة واستقبلوا أسوأ استقبال لدى عودتهم. أما الحركي، فأعتقد أن الأمر كان أفظع بالنسبة إليهم. لقد وُضعوا في محتشدات، في وضعيات لا تُطاق». ورأت مرشحة «الجبهة الوطنية»، أنّ مساندة أبيها جان ماري لوبن، لها بعدما أقصته من الحزب الذي أسّسه، تعود إلى كونه «وطنياً ودافع عن الجزائر الفرنسية، مثل كثير من الأشخاص الذين أسسوا الجبهة الوطنية».
وتُعيد مارين لوبن بهذه التصريحات، طرح مسألة «الجوانب الإيجابية» للاستعمار الذي فجر عاصفة من الخلافات بين الجزائر وفرنسا في عام 2005، في عهد الرئيس جاك شيراك، حين صدّق البرلمان الفرنسي على قانون «الدور الإيجابي للوجود الفرنسي في ما وراء البحار، وخصوصاً في شمال أفريقيا»، في 23 شباط/فيفري 2005. ولم تستسغ السلطات الجزائرية ذلك الموقف، ما دفع حزب «جبهة التحرير الوطني» إلى اقتراح قانون تجريم الاستعمار، كرد فعل على ذلك. إلا أن هذا القانون لم يعرف النور، بسبب الحسابات السياسية المعقدة بين البلدين.
من جانبه، أخذ فرنسوا فيون على عاتقه مسألة إعادة الاعتبار لـ«الأقدام السوداء» والحركي في حال انتخابه رئيساً لفرنساً. ورأى مرشح «الجمهوريون» نفسه «المرشح الوحيد القادر على إعادة اعتزاز الحركي بفرنسا، من بين مرشحين آخرين يتحدث بعضهم عن جرائم الاستعمار ضد الإنسانية (في إشارة إلى إيمانويل ماكرون)، وآخرون يتنكرون لهذا التاريخ، ومجموعة أخرى تلوّنه بالنظرة الماركسية».
وتنقل فيون إلى منطقة باربينيون معقل «الحركي» و«الأقدام السوداء»، وفيها قدّم تحية لمن قال إنهم «فرنسيو الجزائر الذين عاشوا الظلم، والحركي الذين لم يجرِ التعامل معهم بكرامة». وقال المرشح الذي لاحقته الفضائح طوال الحملة الانتخابية، إن «الاستعمار كان عاملاً موجوداً في كل الحضارات، ولا توجد حضارة لم تستعمر جيرانها، وحتى نحن تعرضنا للاستعمار».
وعلّق فيون على تصريحات ماكرون، ووصفها بغير المقبولة. وقال: «اليوم لا يمكننا أن نتحدث عن الجزائر كما يتحدث البعض الذين وصلوا إلى غاية الحديث عن جرائم ضد الإنسانية». أما لوبن، فرأت أنّ من العار التحدث بهذه الطريقة عن التاريخ الفرنسي، مشيرة إلى أن الفرنسيين لا ينبغي أبداً أن يشعروا بعقدة الذنب من تاريخهم. وحتى مرشح أقصى اليسار جون لوك ميلونشون، دخل على الخط وأوفد ممثلاً عنه إلى منطقة باربينوين من أجل الحديث مع «فرنسيي الجزائر» والتكفل بمسألة إعادة الاعتبار إليهم.
وفي تحليله لتوظيف المرشحين الفرنسيين للتاريخ في الانتخابات، قال الباحث محمد لمين بلغيث، إن «الصراع التاريخي بين الجزائر وفرنسا يعود دورياً في الحملات الانتخابية، ولا فرق في ذلك بين اليمين واليسار». وأوضح في حديث إلى «الأخبار» أن «التاريخ الآن يشكل منطلقاً للصراع بين الفرنسيين والجزائريين، فالفرنسيون لا يعترفون بجرائمهم في الجزائر، بل يمجدون تاريخهم الاستعماري في القارة الأفريقية، وهو ما يثير حساسية المؤرخين الجزائريين والمثقفين على اختلاف اتجاهاتهم». ورأى أن «الأقدام السوداء الذين كانوا ولا يزالون يدافعون عن الجزائر فرنسية، سيكونون دائماً ضد أي مصالحة أو اعتراف بجرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر».
وينطلق تيار اليمين في فرنسا في معالجته لموضوع «الحركي» و«الأقدام السوداء»، من الرواية التي تقول إنهم تعرضوا لـ«إبادة من الموالين لجبهة التحرير الوطني» في الفترة التي أعقبت توقيع اتفاقات إيفيان (آذار/مارس 1962) التي أفضت إلى استقلال الجزائر، إلا أن هذه الرواية ترفضها السلطات الجزائرية. علماً بأنه في المدة الأخيرة، ظهرت أبحاث ودراسات، من بينها ما قام به الباحث الفرنسي بيار دوم، الذي توصل إلى أن معظم «الحركي» (420 ألفاً حسب تقديره)، بقوا في الجزائر بعد الاستقلال.