لم يمر الوقت في حياة الطفلة حفيظة الرفاعي طبيعياً. في سن الثالثة عشرة كانت لديها مهمة يومية: قراءة الصحف اليومية لوالدها، خليل، بعد عودته من «بسطته» لبيع الخضار في سوق بعلبك. لم تكن المهمة سهلة.


بالنسبة إلى الوالد، القومي العربي حتى النخاع، إتقان العربية مؤشر إلى قوة التمسك بالهوية القومية. لذلك لم يكن ليتسامح مع المس بقواعد اللغة، أو إهمال قواعد الخطابة ووقفات التعجب والتساؤل والاستفهام، ولا حتى مع لغة الجسد، تيمناً بالزعيم جمال عبد الناصر. قبل سبع سنوات من ذلك، عندما كانت في السادسة، حضرت مع «زهرات» الكشاف المسلم احتفالات الوحدة التي أحياها «المارد الأسمر» في قصر الشعب في سوريا وتمكنت من الوصول إلى «ناصر» الذي حملها وطبع قبلة على وجنتها.
خطابات «ناصر» كانت لها طقوسها في منزل خليل الرفاعي: «خشوع تام، وحظر على الهمس. وحدها النظرات المتبادلة كان بالكاد مسموحاً بها»، حتى إذا ما انتهى الخطاب، كما في ذاك الذي أعلن فيه الزعيم الراحل تأميم قناة السويس، ينفجر خليل «باكياً وصارخاً وغامراً كل من حوله». هذه «التربية القومية» تصفها حفيظة بـ «حبوب التنشئة التي شكّلت وعيي القومي منذ الطفولة».
في الخامسة عشرة من عمرها كانت في طريقها إلى دكان في حي آل الرفاعي في بعلبك عندما أوقفها أحد قادة حركة القوميين العرب في لبنان ومسؤولها في بعلبك «ابو زهري المعصراني»، وعرض عليها تأسيس قطاع طلابي للحركة في المدينة. «شعرتُ حينها بتيار سرى في جسدي ولم أعد أرى من حولي. سقطت السمسمية التي اشتريتها من يدي وأنا أستعرض أسماء أصدقائي. لكن الأمر لم يكن صعباً. ففي أقل من أسبوع تمكّنت من ضمّ أكثر من ثلاثين طالباً وطالبة من المتأثرين بالمدّ القومي إلى الحركة». وهؤلاء «كانت لعبتهم المفضّلة، في المدرسة، إلقاء الخطب على طريقة ناصر. يطلّ الطالب الخطيب من شرفة أحد الصفوف ملوِّحاً بيديه، ويبدأ بـ: أيها الأخوة، أيها الرفاق...».
في منزل والدها، كان «ابو زهري» يلتقيها للبحث في شؤون تنظيمية أو لإعطاء التكليفات. من بين المهمات إيصال أسلحة ومؤن إلى الفدائيين الفلسطينيين الذين كانت تضيّق عليهم القوى الأمنية. «كنا نحمّل ما نريد نقله في حافلات المدارس، وننظّم رحلات ترفيهية إلى الجنوب. على الحواجز الأمنية اللبنانية، كنا مجرد طلاب يرقصون ويغنّون ويلوِّحون بالأعلام اللبنانية. وبعد أن نسلّم الأمانات لأصحابها كنا في طريق العودة نغنّي: وطني حبيبي الوطن الأكبر».


في قصر الشعب
في دمشق تمكنت من الوصول إلى «ناصر» فحملها وطبع قبلة على وجنتها

لعب الأساتذة آنذاك دوراً كبيراً في توجيه الحركة الطالبية. تذكر حفيظة حادثة اعتقال «الشعبة الثانية» مدير ثانوية «الحديثة» في بعلبك محمد حرب (استشهد في ما بعد) والأستاذ نواف العبدالله وغيرهما وحلق شعورهم بسبب انطلاق مسيرة من الثانوية في «عيد الوحدة العربية». «يومها رتبنا للمسيرة في اجتماعات في منزل خالي خالد الملا لأنه صديق لرئيس المخفر وبعيد عن الشبهات. تم الاتفاق مع المدير على انطلاق المسيرة مع قرع جرس الثامنة. علمت القوى الأمنية، بطريقة ما، بالأمر فضربت طوقاً حول المدرسة. كان على رأسها ضابط معروف بقساوته. تقدم منّا ملوِّحاً بخيزرانته ومتوعداً باعتقال من يشارك في المسيرة. فركضت باتجاهه وانتزعت منه الخيزرانة وهربت. حينها تراجع وسحب الدورية وانطلقت المسيرة الأضخم في تاريخ بعلبك بعدما انضم إليها الأهالي. في اليوم التالي علمنا بأن الضابط طلب نقله من المدينة لأن أطفالاً انتزعوا منه عصاه».
«إلى بيروت» جاءت الأوامر للقاء شخصية قيادية مهمة. في قاعة، في مكانٍ ما في العاصمة البعيدة عن «بلاد بعلبك»، كانت حفيظة تجلس في الصف الأمامي. دخل القيادي المهم، وقبل أن يبدأ كلمته عرّف عن نفسه: «وديع حداد»، أحد المؤسسين التاريخيين لحركة القوميين العرب. ثم اغرورقت عيناه بالدموع قائلاً: «اعذروني. الفرحة لا تسعني وأنا أرى هذا العدد من الفتيان والفتيات يشاركونني النقاش في المقاومة». أما هي فعقدت الدهشة لسانها، لكنها وقفت أمام الجميع وأخبرته عن والدها بائع الخضار الذي يحدثها يومياً عن القومية العربية وضرورة النضال لتحرير الأراضي المحتلة. بعدها تعدّدت حلقات الطلاب التثقيفية مع قيادات قومية، في بعلبك وبيروت، من بينها لقاء مع الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني في مقر مجلة «الهدف».
قبل الحرب الأهلية، «كنا نستشعر أجواء مؤامرة على المقاومة الفلسطينية بسبب التضييق الذي كان يُمارس على الفدائيين. علمنا أن ياسر عرفات موجود في بعلبك وأنه سيصلي في مسجد الإمام الأوزاعي. انطلقنا بشكل تلقائي نحو المسجد. هناك، في الباحة، كان أبو عمار يتوضأ بإبريق مياه بلاستيكي. قال لنا: لا تخافوا، طالما أن عندنا أولاداً مثلكم فلا خوف على فلسطين. وسواء بقيت المقاومة في لبنان أو لم تبق، نحن واثقون بأن روحها باقية هنا». بعد سنوات، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وخروج منظمة التحرير الفلسطينية، ستزور حفيظة ومجموعة من الشباب تونس للمشاركة في اجتماعات الاتحاد الكشفي العربي. «علم أبو عمار بوجودنا فدعانا إلى العشاء في معسكر في الصحراء. هناك أكد لنا أن خروج المقاومة من لبنان كان لحمايته».
تزوجت من الطبيب البعلبكي أحمد الططري، القومي العربي الذي كان يقيم في الكويت، وأقامت معه فترة هناك قبل أن ينتقلا إلى مصر. ثم عادت إلى لبنان لتؤسس عام 1985 «ثانوية الحكمة» التي تتولى إدارتها اليوم. ولأن «تمكين الطلاب من اللغة العربية ومن التاريخ السياسي الوطني بمثابة بوابة العبور إلى التحرر والحفاظ على الهوية»، تفتتح صباح كل يوم دراسي بخطاب عروبي أمام الطلاب تشدّد فيه على العداء لإسرائيل. يصل عدد طلاب الثانوية إلى 900 طالب وطالبة تحرص على التواصل مع كل منهم «لأن خطورة المرحلة السياسية والاجتماعية ترتب على التربوي مسؤوليات إضافية». فـ «صناعة الأجيال تحتاج إلى حبوب تنشئة فيها الكثير من الوعي». ترى بعض طلابها، خصوصاً من الأطفال، يصنعون أسلحة من ورق ويلعبون بها. حتماً يروق هذا ذاكرتها. لكنها لا تغفل أن تخبرهم عن «خطورة استخدام السلاح والعبث به. أحدثهم عن أهمية التحاور والنقاش في ما بينهم». لم تتغير حفيظة الرفاعي الططري، لكن العالم من حولها تغيّر.