باريس | قادت نتائج انتخابات الدورة الرئاسية الأولى في فرنسا أمس إلى قطيعة، لكنها لم تأتِ اعتباطاً. فمنذ بداية الحملة، قبل نحو عامين، بدا واضحاً أنّ المعطى الأساسي في هذا الاستحقاق يتمثل في ما سُمّي «المكنسة الانتخابية».


مكنسة وضعت ما قد يوصف بالمرشحين «الخوارج» في الواجهة، بعدما أقصت تباعاً أبرز أقطاب اليمين (نيكولا ساركوزي، آلان جوبيه)، ثم قلبت الطاولة، بالراديكالية نفسها، على التوازنات الداخلية للحزب الاشتراكي، فأجبرت الرئيس فرنسوا هولاند على التنحّي من معركة إعادة الترشيح، ثم أطاحت رئيس حكومته مانويل فالس، في «انتخابات اليسار التمهيدية».
وكان ملفتا أن المرشحين الـ11 الذين تمت تزكيتهم لخوض المعترك الانتخابي، كانوا جميعاً يعرّفون عن أنفسهم بأنهم مرشحون معادون لـ«الاستبلشمنت» المهيمن. بين هؤلاء ثلاثة مرشحين من اليسار الراديكالي، هم جان لوك ميلانشون، وناتالي أرتو، وفيليب بوتو، كانوا يعِدون بقطيعة جذرية مع الجمهورية الخامسة الفرنسية وتقاليد «الملكية الجمهورية» التي أرستها. ومن جهة أخرى، كان مرشح اليمين التقليدي فرنسوا فيون، يعِد بقطيعة مع نماذج التكافل الاجتماعي الفرنسي، ما دفع البعض إلى مقارنته بـ«التاتشرية»، نسبة إلى رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر. وحتى المرشح «الرسمي» للحزب الاشتراكي بنوا هامون، كان يقدّم نفسه كمرشح القطيعة مع «اليسار الرخو» الذي جسّده فرنسوا هولاند، في السنوات الخمس الماضية.
من بين هؤلاء «الخوارج»، وقع اختيار الناخبين: على لوبن التي تعِد بدورها بقلب الطاولة على هيمنة المؤسسات الأوروبية والأوساط المالية على القرار السياسي، وإعادة الاعتبار إلى «الشرعية الشعبية»، وعلى ماكرون الذي يعِد بخلخلة ثنائية التجاذب الإيديولوجي التقليدي بين اليسار واليمين، وذلك من خلال برنامج يصفه بـ«الوسطي... لا هو باليساري ولا باليميني». وهو برنامج يحظى بتأييد غالبية وسائل الاعلام والأوساط المالية، وهو أيضاً ما لن تفوّت لوبن الفرصة لتسليط الضوء عليه بغية إظهار زعيم حركة «إلى الأمام» في صورة مرشح «الوضع القائم»، أملاً في استمالة «المكنسة الانتخابية» إلى صفها في الدورة الثانية من المعترك الرئاسي.
فوز لوبن وماكرون، بالرغم من أنه أطاح الهيمنة التقليدية للحزبين الرئيسيين، الاشتراكي و«الديغولي»، فإنه سوف يصطدم حتماً بمعضلة برلمانية تتمثل في نظام الاقتراع بالأغلبية المطلقة على دورتين، والذي ستجري وفقه الانتخابات التشريعية التي ستُقام بعد شهر واحد من الدورة الثانية لانتخابات الرئاسة (أي في شهر حزيران المقبل). وهو نظام يجمع الخبراء على استحالة أن يمنح الأغلبية البرلمانية لـ«الجبهة الوطنية»، التي تتزعمها لوبن، التي لا يتجاوز مخزونها الانتخابي 30 في المئة، والتي تترفع كافة الأحزاب الأخرى عن التحالف معها. كذلك فإنه نظام انتخابي لن يخوّل تياراً سياسياً ناشئاً مثل حركة «إلى الأمام»، التي أسّسها ماكرون قبل أقل من عام، نيل الأغلبية البرلمانية. هذا الوضع المرتقب سيزج بالبلاد في إشكالية تشريعية تعني أنّ رئيس، أو رئيسة، فرنسا لن يحظى بأغلبية برلمانية. وهذه سابقة تضع مؤسسات الجمهورية الفرنسية أمام معضلة مستجدة، إذ إنها تجعل الرئاسة رهينة موازين القوى التي ستسفر عنها الانتخابات التشريعية والتي سوف يدور الصراع خلالها أساساً بين «الحزب الاشتراكي» و«الجمهوريين».


سوف يصطدم
الرئيس المقبل، أكان ماكرون أم لوبن، بمعضلة برلمانية

لعلّ ماكرون أكثر أهلية للتأقلم مع هذه الإشكالية؛ فبرنامجه الزئبقي، الذي لا ينتمي لا إلى اليسار ولا إلى اليمين، يخوّله التحالف مع أي أغلبية برلمانية سوف تسفر عنها الانتخابات التشريعية المقبلة، سواء كانت «اشتراكية» أو «جمهورية». والأرجح أن يلجأ ماكرون إلى تعيين حكومة ائتلافية ترأسها شخصية من «يسار الوسط» (مانويل فالس؟ جان إيف لودريان؟)، أو من «يمين الوسط» (فرانسوا بايرو؟ جان بيار رافاران؟)، وفقاً لموازين قوى الأغلبية النيابية المقبلة.
أما إذا فازت لوبن بالرئاسة، فإن المعضلة ستكون أكثر تعقيداً؛ فكافة الأحزاب والتيارات السياسية الفرنسية ترفض التحالف مع «الجبهة الوطنية». وقد وجه جميع قادتها، بلا استثناء، نداءات إلى الناخبين لقطع طريق الإليزيه أمام اليمين المتطرف، ما سيضع لوبن، في حال فوزها بالرئاسة، أمام معضلة دستورية سوف ترغمها على «حكومة مساكنة» تتولاها الأغلبية التي ستفرزها الانتخابات التشريعية. مساكنة ستحرم زعيمة «الجبهة الوطنية» من غالبية الصلاحيات السياسية، بحكم دستور الجمهورية الخامسة الذي أرسى «نظاماً رئاسياً يستند إلى الشرعية البرلمانية»، حيث غالبية الصلاحيات التنفيذية، باستثناء الدفاع والداخلية والخارجية، بيد رئيس الحكومة، الذي يتحتّم على رئيس أو رئيسة الجمهورية اختياره من الأغلبية النيابية.
على الصعيد الأوروبي، سارعت أبرز وجوه الاتحاد الأوروبي إلى الاحتفاء بتأهل ايمانويل ماكرون إلى الدورة الثانية، الذي أعلن بدوره عقب صدور النتائج أنه سوف يحمل «صوت الأمل» لفرنسا و«لأوروبا»، مؤكداً وسط هتافات مناصريه أنه يريد أن يكون «رئيس الوطنيين في مواجهة تهديد القوميين».
وهنّأ رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر، ماكرون، مشيداً بـ«النتيجة التي حققها»، ومتمنياً له «التوفيق لاحقاً» في الدورة الثانية. وجاء ذلك في وقت تمنى فيه المتحدث باسم المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، أمس، «حظاً سعيداً» للذي بدأ مسيرته في قطاع المصارف ومن ثم أصبح وزيراً. وقال شتيفن سايبرت في تغريدة على موقع «تويتر»: «من الجيد أن إيمانويل ماكرون حقق نجاحاً مع موقفه من أجل اتحاد أوروبي قوي واقتصاد اشتراكي. حظاً سعيداً في الأسبوعين المقبلين». وكان وزير الخارجية الالماني سيغمار غابريال أبدى أمس سروره بفوز ماكرون، وقال إنه «واثق» من فوزه برئاسة فرنسا.




ميلانشون: صباح جديد ينبلج

عقب صدور النتائج، خرج جان لوك ميلانشون أمام مناصريه ليقول إنّ «المتحكمين في الإعلام والأوليغارشيين يبتهجون للنتائج، إذ لا شيء أفضل بالنسبة إليهم من حصول دورة ثانية بين مرشحين اثنين، يقبل كلاهما بالمؤسسات الحالية... ويعزم كلاهما على التعرض، مرة أخرى، للمكاسب الاجتماعية الأساسية في البلد». وتوجّه المرشح الذي كان يدعو إلى «جمهورية سادسة» إلى مناصريه قائلاً: «بإمكاننا أن نكون فخورين بما حققناه، فنحن قوة واعية وشديدة الحماسة»، مشيراً إلى «صباح جديد ينبلج».
ومن بين التعليقات الصحافية على نتائج يوم أمس، بدا معبّراً رأي «ميديابارت» التي قالت في افتتاحيتها: «شكّل خروج مرشحي الحزبين الكبيرين، وبروز ماكرون على رأس المرشحين، والخرق الكبير الذي قامت به (فرنسا المتمردة) ومرشحها ميلانشون، انقلاباً لم يسبق له مثيل منذ 1958... أصبح كل فريق يتحدث عن إعادة تشكيل كامل للقوى وللمشهد السياسي. كل شيء أصبح موضع إعادة بناء».
(الأخبار)




حصيلة غير نهائية

بحسب النتائج غير النهائية، حصد ماكرون 23.9 في المئة من الأصوات، في مقابل 21.7 في المئة للوبن. وقد حلّ ثالثاً مرشح اليمين التقليدي فرنسوا فيون، بنسبة 20 في المئة، متقدماً على جان لوك ميلانشون (19.2 في المئة)، علماً بأنّ الاستطلاعات كانت تتوقع حصول الأخير على نسبة أعلى، وذلك قبل وقوع هجوم باريس يوم الخميس. أما أبرز النتائج، فقد تمثلت في التراجع المخيف الذي لحق بمرشح «الاشتراكي» بنوا هامون (6.3 في المئة)، وذلك نتيجة عدة أسباب، يُرجّح مراقبون أن تؤدي إلى تفكك هذا الحزب.
في غضون ذلك، كان لافتاً أنّ اليورو سجّل ارتفاعاً ملحوظاً أمام الدولار في التداولات المبكرة للبورصات الآسيوية، بعدما تبيّن تقدم ماكرون.