في مقدمة ديوان صلاح عبد الصبور الأول «الناس في بلادي» الصادر عام ١٩٥٧، أشار بدر الديب إلى الطبيعة الدرامية لقصائده، التي تبلورت من وجهة نظره في المسرحة الدائمة للمواقف والمشاعر، وزيادة الاهتمام بالتفاصيل الجزئية.
كما أنه من السذاجة البالغة اعتقاد أن انتقال عبد الصبور من كتابة القصيدة العمودية إلى شعر التفعيلة، كان مجرد قفزة عروضية في الهواء، بل هو اختيار واع يحاول الفكاك من أسر الغنائية المفرطة للقصيدة العربية باتجاه الفضاء الدرامي الرحب. وقد أتبعها صلاح بالتوسع في استخدام رخص عروضية نادرة في مسرحه، وبخاصة مع بحر المتدارك حرصاً على سرعة تدفق الحوار.
أما صلاح عبد الصبور نفسه، فلم يكن قانعاً قط بأن يكون مجرد كاتب مسرحي. يقول في تذييل مسرحيته «مسافر ليل»: «أنا أؤمن أننا - نحن الشعراء الذين نكتب للمسرح- قد أهملنا تقليداً جليلاً، وهو أن نكون كتاباً ومسرحيين في ذات الوقت كما كان أسلافنا منذ إسخيلوس حتى شكسبير.

وقد نتج عن تراخينا في أداء واجبنا أن دخل إلى المسرح، ووقف بيننا وبين النص، عديد من الوسطاء أهمهم المخرج». وقد كان صلاح حريصاً على تضييق تلك المساحة التى يتسلل منها الآخرون للتدخل في رؤيته المسرحية عبر الإرشادات المسرحية التفصيلية المطولة والتذييلات وغيرهما.
وكما كانت حدقة صلاح عبد الصبور الشعرية ترنو إلى المسرح منذ ديوانه الأول، فإن معارضته للسلطة القامعة للحريات قد بدأت في الديوان ذاته أيضاً، وبالتحديد في قصيدة «عودة ذي الوجه الكئيب» التي كتبها في أعقاب أحداث مارس ١٩٥٤. ولهذا لم يكن غريباً أن تتمحور مسرحيات صلاح عبد الصبور الخمس على المستوى الموضوعي حول قضية واحدة بالأساس هي صراع المثقف والسلطة.
على المستوى الفني، تنوعت رحلة صلاح عبد الصبور من محاكاة التراجيديا اليونانية إلى الإسهام المتميز في مسرح العبث. وتعددت عوالمه المسرحية بين التاريخ والواقع والأسطورة والفنتازيا. لكنها في كل هذا الثراء الفني، لم تفقد بوصلتها التنويرية المتمثلة في بحث مظاهر تطور العلاقة بين المثقف والسلطة في عهد عبد الناصر، حتى إن رموز مقاومة المثقف للسلطة في مسرحياته كافة كانت رموزاً ثقافية.
في مسرحية «مأساة الحلاج»، يخلع الحلاج المثقف خرقة السلبية الصوفية وينزل إلى الناس محاولاً تنويرهم بالكلمة إلى طريق الحرية والعدل. لكنّ تردده بين الاكتفاء في مواجهة السلطة بالكلمات فقط أم بالسيف أيضاً، وخلطه بين الخطابين السياسي والصوفي بحثاً عن السيف المبصر، أوقعاه في سقطته التراجيدية التي أخذ منها بدافع سياسي وحجة دينية.


من محاكاة التراجيديا
اليونانية إلى الإسهام
المتميز في مسرح العبث


وفي «مسافر ليل»، يتفنن عامل التذاكر عشري السترة في محاصرة الراكب بلا مبرر منطقي حتى يتمكن من قتله بعد محاكمة عبثية. كل هذا التوحش يحدث أمام الراوي المثقف السلبي الذي لا يكتفي بالتعليق المتواصل على الأحداث فقط، بل يشارك عامل التذاكر في حمل جثة الراكب في نهاية المسرحية، في إدانة بالغة له من صلاح عبد الصبور.
وفي «الأميرة تنتظر» التي تدور في جو أسطوري، يسطو السمندل قائد الجيش على الحكم، بعد قتل الملك الشيخ بمساعدة الأميرة له باسم الحب، بحثاً عن طفل المستقبل. لكنه ينفرد بالسلطة ويقوم بنفيها هي ووصيفاتها في كوخ مهجور في الصحراء، ولا يعود إليها إلا بعد انهيار ملكه، في محاولة لاستعادته باسمها مرة أخرى. لكن القرندل المثقف يطعنه في قلبه بالأغنية الخنجر، قبل أن يتمكن من تزييف وعي الأميرة الوطن واستلابها مرة أخرى.
وفي «ليلى والمجنون» المعاصرة التي تدور في مجتمع صحافيين مثقفين، ينجح حسام - المناضل الذي تحول في السجن إلى جاسوس للسلطة - في النيل من ليلى حبيبة سعيد الشاعر الثائر المقهور. لكن الأخير يضربه في لحظة المواجهة بالتمثال الهراوة، ويسجن، مكتفياً بانتظار القادم كما أعلن في قصيدته التنويرية الطويلة «يوميات نبي مهزوم يحمل قلماً، ينتظر نبياً يحمل سيفاً».
أما «بعد أن يموت الملك»، فهي النص المصب الذي يجمع فيه صلاح عبد الصبور خيوطه الرمزية والفنية المتناثرة في مسرحياته كلها، بحثاً عن خلاص الملكة من سطوة الملك العنين التي استمرت بعد موته في جو فنتازي شبه أسطوري، حتى تمكن الشاعر المثقف من فقئ عين الجلاد ـ الذي يريد دفن الملكة حية بجوار جثة الملك تنفيذاً لرغبته - بالناي السيف. ويترك عبد الصبور للمتلقي حرية الاختيار الزائف بين ثلاث نهايات محتملة لمستقبل الملكة الوطن، وهو اختيار زائف لأن الصياغة الفنية للنهايات الثلاث تجبر المتلقي على اختيار المستقبل الديمقراطي المشرق.
وكيف لا؟ وقد انتظر شاعرنا هذه اللحظة منذ ديوانه الأول: «سيظل ذو الوجه الكئيب وأنفه ونيوبه وخطاه تنقر في حوائطنا الخراب/ إلا إذا .../ إلا إذا مات/ سيموت ذو الوجه الكئيب/ سيموت مختنقاً بما يلقيه من عفن على وجه السماء/ في ذلك اليوم الحبيب/ ومدينتي معقودة الزنار مبصرة سترقص في الضياء/ في موت ذي الوجه الكئيب». وفي تلك اللحظة تماماً، لحظة تطابق الواقع مع النبوءة الشعرية المنتظرة، توقف شاعرنا عن كتابة المسرح.