تغمرني رغبة الكتابة عن صلاح عبد الصبور الكائن في وحشته، وليس عن صلاح الكائن في شعره، وتغمرني الرهبة من هذه الرغبة، كأن عربتي السوداء تسير في اتجاهين. ومع ذلك ففي أواخر الستينيات، وعلى ناصيتي الشعر الكلاسيكي والشعر الرومانسي اللذين، ــ رغم ضعف ذاكرتي ـ أغرياني بأن أتوكأ عليهما، مسبوقاً بشوقي والجواهري وبدوي الجبل والأخطل الصغير وإبراهيم ناجي وجبران، قبل أن أرافق سعيد عقل، وأتجاهل آخرين، في تلك الفترة، أذكر أنني قرأت باستخفاف تام ديوانين صغيرين: «الناس في بلادي» لصلاح عبد الصبور، و«مدينة بلا قلب» لأحمد حجازي.


كنت أحسبهما عابرين، غير أنني لازمتهما. ومعهما أصبح استخفافي التام خفة مرحة، ولم أنتبه إلى اختلافهما إلا بعدما أفقت. جذبني حجازي بعمارته المحكمة كأنه يحرص على تمام المبنى وتمام المعنى. وجذبني صلاح بإصراره على نقص التمامين. كأنه يحرص على التعدد وكثرة التآويل، وعلى أن تكون قصائده غامضة واضحة، فالغموض وحده يخيفه لأنه قرين سلطة الذات، والوضوح وحده يخيفه لأنه قرين سلطة الجمهور. وصلاح يخاف السلطتين، ويخاف أكثر من أن يرى اللغة بغير ظلال، وكنت قد رأيت مقدمة بدر الديب لـ «الناس في بلادي» متماسكة تماسك الناس، ومقدمة رجاء النقاش للمدينة بلا قلب سيّالة سيولة المدينة، وهكذا استغرقاني حتى أصبحت مفتوناً إلى حد التوق إلى رؤية كليهما، والاستئناس بما سيقولانه عما أكتبه. ذهبت إلى حجازي في مقره في «روزاليوسف»، ولم أذهب إلى صلاح لأنني كنت أجهل مقره. بعدها، زهوت بنداء حجازي إلى شعراء المستقبل عبر مقالة غمرتني بفرح الظهور الأول. وأسفت لأن صلاح ظل مستعصياً إلى حين. وبعد سنتين، فكرت في البحث عنه ثانية، لولا ما حدث. كنا في أوائل عام 1974، وكان السادات قد بدأ أداء أدواره التمثيلية، ومنها دور البطل في الزريبة، عقب حرب أكتوبر 1973. ولما شاهدناه، أيقنّا أنه هزليّ ومحزن. أيامها كتب صلاح عيسى مقالتيه الشهيرتين اللتين زعم فيهما الزعم الذي ما زلت أصدقه، هو أن حرب السادات حرب تحريك لا تحرير، بهدف المفاوضة والسلام، ونشرهما في مجلته «الكاتب» إحدى مجلات وزارة الثقافة، مما أدى إلى طرد هيئة تحريرها برئاسة أحمد عباس صالح، وإحلال صلاح عبد الصبور وأعوانه محلها. عندها، تخليت عن حلمي في الذهاب إليه، لأنهما الحلم، أو صلاح أصبحاً مثل قشرة موز فاسدة. ومع ذلك، كنت كلما خلوت بنفسي، فتشت عن قصائده داخل قلبي، وعن قلبي داخل قصائده. هذا زمن الحق الضائع، وفتشت عن كائناته كلها: الإنسان الذئب والإنسان الثعلب والإنسان الفهد والإنسان الورقة والإنسان الإنسان. المهم أنّ صلاح في أول أعداد مجلته «الكاتب»، بدا سجيناً خلف الصفحات. الشعراء الشباب، أقراني، قاطعوه واعتبروه خصماً نأسف على خصومته.


اقترب موعدنا، فالعسكر
يريدوننا عبيداً وبلهاء، أرجوك انتظرني قرب باب حديقة الله
البعض قال لا نأسف، الأقلية تجاسرت وأعلنت كراهيتها، مما أجبره على الاستعانة بأرشيفه القديم في مجلة الشعر ذات العدد الوحيد، رأسها صلاح وأغلقها وزير الثقافة يوسف السباعي لأنها، هكذا قيل، لم تحمل صورته في غلافها الداخلي. انتقى صلاح ست قصائد لستة شعراء، وكتب مقدمة احتفالية تواضعتْ وهللتْ وبشرتْ. ونشر فعلته في متن أحد أعداده الأولى من «الكاتب»، ففوجئ بالجميع يهتفون بفم واحد، وصوت واحد، يا للإنسان الورقة، هتفوا في وجهه، فأخفاه بقناعة، وهتفوا في ظهره، فأغلق الباب، وانكفأ على أعشاب ضعفه، سمّيناها أعشاب الخوف. أيامها، أحببت يأسي، وحاولت نسيان صلاح، حاولت إخفاء تمتماتي ببعض شعره أحياناً، حتى أوشكت أن أسمح لشعره أن ينتصر على ضعفه. ولما بعد أحيان طويلة، انتصر، فكرت من جديد أن أذهب إليه في مكتبه في هيئة الكتاب التي أصبح يرأسها، شريطة ألا أحتضنه. وقد كان ما يكتبه أيامها دافئاً وخفيض الصوت حدّ أنه أزاح وجه الإنسان الورقة، وأعاد وجه الإنسان الإنسان الذي تخيلته، وقد أصبح شرفة تطل على البحر، ثم وقد أصبح الريح القوية، ثم وقد أصبح شجرة الحزن. غير أن السادات، مرة أخرى عاد للتمثيل، وأمر بأن تشارك إسرائيل في معرض الكتاب الذي تنظمه هيئة الكتاب ورئيسها صلاح عبد الصبور. قلت لنفسي، هذه المرة سوف يلزم صلاح بيته ونفسه وحزنه. هذه المرة سيستقيل، وسوف أزوره في بستانه الخاص، عندما يجلس وحده على رصيف يليق به. لكنه أغمض عينيه وتركنا جميعاً على قارعة الطريق، واستقبل السادات في معرضه، ودخلا معاً جناح إسرائيل بابتسامتين مسروقتين من عارضتي أزياء. ولما خرج، وجد نفسه محبوساً في قفصه الصدري. عندها تأكدت أن دقات قلبه الخائفة، أضاعت مني كل الفرص في التعرف إلى شاعر أحببته كثيراً. أعترف أنني أحببته عندما كان صوفياً يحتفل بعذابات الحلاج، إلا أنني فجأة رأيته يمشي خلف الحلاج بقامة محنيّة ورأس مقطوع. وأحببته عندما كان ثورياً متشائماً يتهرب من عضوية تنظيم محمود أمين العالم، ويسخر من الرجل ذي الوجه الكئيب، يقصد عبد الناصر. إلا أنني فجأة رأيت وجهه أكثر كآبة من وجه ناصر، وأحببته عندما كان عاشقاً خائباً للمرأة التي يصل معها إلى أعماقه، وليس إلى أعماقها، فتخونه، وتغرينا بأن نسمّيه عاشق الخائنات. إلا أنني رأيت قلبه يجف وييبس، ليصبح على مقاس قصائده الأخيرة البائسة، لم تستطع رحلته الطويلة إلى الهند أن تغسله من هزائمه كصوفي وثوري متشائم وعاشق. لذا بدأت أستعيد محبته، وأحن إلى لقائه كأنني مثلما أحببت شعره الأول، أحببت ضعفه المقيم، وقررت أن أذهب إليه بديواني الوحيد وقصائدي الأخرى التي أنوي تجهيزها. وقبل أن أتم عملي، فوجئت ذات ليلة بخبر موته المفاجئ، ليس بسبب أن بهجت عثمان قال له: «بعت نفسك يا صلاح»، لكن بسبب أنه حزين. كنا هكذا نتندر عليه ونطارد خياله بعبارته: يا أصدقائي إنني حزين. وبعد موته، اكتشفنا فداحة قسوتنا لأننا لم نصدقه. كان موته يدل بالصدفة على موت آخرين، ويدل بالصدفة أيضاً على ما تردده الشام والعراق وبلدان أخرى، عن أن ريادة صلاح ريادة محلية، ريادة قزم لمجموعة أقزام، وأن مصر فقط مستودع حكايات وشِعرها كناسة دكان، قلبها فرعونيّ خالص، ولسانها عربي زائف. مات صلاح في لحظة غلب عليها ذلك الوعي البدوي، وغلبت علينا الوحشة. لذا اندفعت باللهاث وراء شعره، ووراء ظله. مررت مرات أمام البيت الذي سكنه، ذهبت مرات إلى موقع مقهاه البرجوازي الذي أزالوه، كان اسمه «لاباس» في شارع قصر النيل. اشتريت مرات طبعات دواوينه الأولى، بحثت حتى عن نبيله ياسين، السيدة نون ياء، زوجته الأولى التي أهداها بعض أجمل قصائده. ضبطت نفسي أقف على درجات السلم الخارجي لمبنى «روز اليوسف»، كأنني أنتظره. تذكرت حكايات الشاعر فتحي سعيد عنه، وتسللت إلى إحداها، فوجدتني أصحبهم كامل الشناوي، وصلاح، وفتحي ليلة ذهابهم إلى منزل نجاة الصغيرة. رأيت كامل في صحن البيت ينفرد بنجاة، وتحت بير السلم صلاح ينفرد بأختها سعاد حسني، وفتحي ينتظرهما أمام البيت، فوقفت إلى جواره. حتى عندما قضى ليلة في بيت فيروز ومعه صلاح جاهين وأمين الحافظ وليلى عسيران، تلصصت وسمعته يكتب بصوت حميم: «وخرجنا من البيت إلى الطريق، وصورة فيروز شاحبة، شاحبة جداً، ولما نظرت إلى صلاح جاهين وسألته: ما رأيك؟ وأشرت إلى فيروز، أجابني: مش عارف». وها أنذا أعترف أنني مثلهما، مش عارف وأنني ما زلت أبحث عن صلاح عبد الصبور، كأنه الكلمة التي سأقهر بها الموت، أو كأن الوعد الجديد للقائنا لن يكون إلا بعد الموت، موته، وموتي، بشرط ألا يباغتنا السادات بظهوره، لهذا يصح لي أن أناديه: اقترب موعدنا يا صلاح، فالعسكر يريدوننا عبيداً وبلهاء، يريدوننا بغير وطن وبغير شعر، أرجوك انتظرني قرب باب حديقة الله، أرجوك يا صلاح، علامتي التي ستعرفني بها، هي تلك الصورة التي سأرفعها، وردة بيد الريح، وباليد الأخرى سأرفع صورة الأرض الخراب.