ولدت في مطلع الستينيات من القرن العشرين، ولم يكن في بيتنا مكتبة. فقط مجلات وكتب قليلة مبعثرة، بعضها تحت السرير، وبعضها في الكومود المجاور لسرير أبي، تحت الراديو الخشبي الكبير، وبعضها في خزانة الملابس الكبيرة يعلوها صف طويل من «البدل» الشتوية الثقيلة. في البيت حكايات غير مؤكدة عن مكتبة حقيقية دخلت كتبها النار في الخمسينيات، في أعقاب القبض على خال لي، وهو في الوقت نفسه الصديق الأقرب لأبي. هكذا بدأت القراءة في المكتبة العامة. كانت المكتبة كبيرة ومقسومة نصفين: نصف صغير للأطفال، فيه مكان للقراءة يطلّ على النيل وحوض كبير مليء بالأسماك الملونة. طوال النهار صيفاً، أنا هناك، وعيني على النصف الكبير المخصص للكبار، على الكتب الكبيرة ذات الكعوب المذهبة. ولم يطل المقام بي في ركن الطفولة، فانتقلت إلى ركن الكبار وبحوزتي بطاقة استعارة خارجية باسم أبي.
كانت المكتبة عامرة بكتب الشعر العمودي، من المتنبي، والبحتري، وأبي العلاء إلى الشوقيات وديوان حافظ ابراهيم. وفِي البيت نجا من المحرقة علي محمود طه كاملاً («الملاح التائه»، «ليالي الملاح التائه»، «شرق وغرب»، و«أغنية الرياح الأربع»).

في النصف الثاني من السبعينيات، بدأت التحولات. ارتدت أمينات المكتبة الحجاب، وأغلق القسم المخصص للمطالعة والأطفال، وتحول إلى مكتب إضافي لموظفين في إدارة ما من إدارات المحافظة. انصرفت عن المكان تدريجاً، وشرعت في تكوين مكتبتي الخاصة. جمعت الكتب القليلة الناجية من النار، وبدأت أجمع مصروفي لشراء الكتب. ويبدو أن رغبتي تزامنت مع رغبة العم صابر بائع الجرائد القريب من بيتنا في توسيع الدائرة قليلاً، وإضافة الكتب إلى الجرائد والمجلات في كشكه الصغير. اقتنيت من عنده أولاً «كليلة ودمنة» لابن المقفع. وفِي الأسبوع التالي مباشرة، وجدت على الرف «مآساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور، فكانت هذه المسرحية الكتاب الثاني الذي أضمه لمكتبتي الخاصة. كانت انقلاباً حقيقياً في حياتي. قبل هذا اليوم، لم يكن لي علاقة بالشعر خارج النصوص المدرسية، وبعض الشوقيات، وعلي محمود طه كما أسلفت. النص الوحيد الذي أذكره من الشعر الحديث مقرراً على الطلاب كان نصاً غير مُلفت لصلاح عبد الصبور نفسه: «إلى أول جندي رفع العلم في حرب أكتوبر ١٩٧٣». استغرقتني «مأساة الحلاج» طويلاً، ودفعتني - على خلفية وجودية مبكرة وأسيانة - للبحث عن الحلاج نفسه وعبد الصبور بالضرورة. لم يكن في جبة الحلاج غير الله: ومزجت روحك في روحي/ جمهور كبير من القتلة ونهاية مريعة على جذع نخلة بكبد محروق ولسان جففته النار والشمس في الصحراء. في هذا الوقت كان عبد الصبور نفسه ما زال حياً، فقرأته مبعثاً كما يليق بالأحياء: «مسافر ليل» قبل «الفارس القديم»، و«الأميرة تنتظر» قبل «الناس في بلادي».


جاءت الكلمات نضرة، طازجة، تجسد صورة حية لوجدان الشعب المصري

كنت أكثر شغفاً بمسرحه، أطلت الوقوف في/ مع «ليلى والمجنون»: رعب أكبر من هذا سوف يجيء، انفجروا أو موتوا. رسالة من نبي مهزوم يحمل قلماً ينتظر نبياً يحمل سيفاً، من لي بالسيف المبصر». في هذه اللحظة بالذات وتحت الراية/ الشعلة المنطلقة للهرمونات، في مفترق طرق بين: الجنة الآن أو تغيير العالم الآن، لم يكن مقبولاً أن ينتهي الصدام الحقيقي، أن ينتهي كل هذا الألم الوجودي العميق بمستبد عادل يحقق أحلام الفارس القديم ويرفع هامة الناس في بلادي. في هذه اللحظة بالذات افترقنا، مشيت خلف أنبياء رفض آخرين، ابتعدت. سرت وراء أمل دنقل من «سبارتاكوس» إلى باب «الغرفة رقم ٨» دون الوقوع «معه» في أسر زرقاء اليمامة. ثم ابتعدت أكثر، مسوقاً بالصوت وراء درويش وتحت ظله العالي.
في مطلع عام ١٩٨٤، انكسرت كعكة الطلاب الحجرية مرة أخرى، فاعتزلت السياسة والكتابة. في نقطة ما، في داخلي البعيد البعيد كنت أشعر أنني نبي مهزوم، فكان علي أن أعود إلى الفارس القديم، الفارس الذي عبرنا موته دون ما يليق به من ألم تحت الراية الخفاقة لرفض التطبيع. وكما يليق بأحياء لم تطبع لهم الدولة أو دور النشر أعمالاً كاملة في مجلد واحد، قرأته مرة أخرى دون ترتيب. كان الوقت مناسباً لاكتشاف ضربة المعول الهائلة التي نزل بها عبد الصبور على عامود الشعر الخليلي، وآلة اللغة القديمة، فحطمهما معاً. كان الوقت مناسباً لاكتشاف لغة من لحم ودم، تضع العادي في الواجهة: 
طلعَ الصباحُ، فما ابتسمت، ولم يُنر وجهي الصباح
وخرجتُ من جوفِ المدينةِ أطلب الرزقَ المتاح
وغمستُ في ماء القناعةِ خبزَ أيّامي الكـَفاف
ورجعتُ بعد الظهرِ في جَيْبي قروشْ
فشربتُ شاياً في الطريق
ورتقتُ نعلي
ولعبتُ بالنرد الموزَّعِ بين كفي والصديق
قل ساعةً أو ساعتين
قل عشرةً أو عشرتين
كانت هذه لحظة مناسبة تماماً لاكتشاف الطريق، لكنني لم أكن أقتنصها، لم أكتب كثيراً، أو كتبت القليل على وجه التحديد، ودون أن أبتعد كثيراً. 
انقطعت طويلاً بفعل الدراسة والعمل والسفر، وحين استقر بي المقام على الخليج في نهاية الألفية الثانية ومطلع الألف الجديد، كنت وصديقي الناقد محمد الروبي نجلس معاً كل ليلة نقرأ ما تيسر من الشعر. في هذه الأيام كان الشاعر الكبير قد تم جمعه في كتاب واحد كبير، للأسف لم يكن مرتباً أيضاً، سهرنا ليالي كثيرة وهو بين أيدينا، يتلو الروبي نصاً وأتلو نصاً. ومع كل سطر، نكتشف أكثر أن كل خطوة في طريق الحداثة الشعرية، عليها بطريقة ما أن تمر من خلاله، أو على الأقل تستريح في ظله بعضاً من الوقت، وأن تأخذ منه زاداً للطريق. 
في واحدة من هذه الليالي، دخل علينا صديقنا الراحل الفنان التشكيلي محمود عبد العاطي. وحين لمح الأعمال الكاملة لصلاح عبد الصبور بين يدي قال بصوته العميق: كل يوم قراءة، كل يوم قراءة، فمتى تجلس مع نفسك، وتكتب؟