في كتابه «معرفة للبيع: كيف استولى النيوليبراليون على التعليم العالي» (ترجمة الكاتب عن الفرنسية)، يرى لورنس بوش أنّ إنتاج المعرفة يتطلّب بنيةً تحتيةً ماديةً واسعة. وهذا يعني توافر مجموعة من المكتبات، تحوي المؤلفات ذات العلاقة بالأبحاث والعلوم التي يتم تلقيها في المؤسسة العلمية، إضافة إلى مكاتب ومختبرات ومراكز أبحاث وحواسيب، وكل ما له علاقة بالبحث. وصيانة هذه البنية التحتية أمر ضخم، إذ يجب توافر المال للحفاظ على الأبحاث، ونتائجها، وتوفير كل ما يمكن أن يدخل في إنتاج البحث مثل توافر التيار الكهربائي من دون انقطاع، والأجهزة العلمية، والمجلات المتخصصة، والأدوات اللازمة للمكاتب، ومراكز الحواسيب وتخزين المعلومات، وغير ذلك. تسيير كل هذا يتطلب عمل عدد كبير من الأشخاص ابتداءً من إنجاز بناء المؤسسة البحثية وصيانتها وتوفير قطع الغيار عند الحاجة، وما إلى ذلك.


الباحث ــ طالباً كان أم عاملاً ــ لا يلاحظ هذه الأمور، إلا عندما يتعطل جهاز التكييف أو التدفئة أو عندما يتعطل جهاز ما ويحتاج إلى قطع غيار... أي أنّ إنتاج المعرفة يتطلب تفاعل كافة الأطراف ذات العلاقة، أي بين العلماء والبحاثة والتقنيين والإدارة التي تشرف على حفظ المعلومات وتبادلها بين مختلف الأقسام، وربما على المستوى العالمي أيضاً وليس ضمن الإطار القومي فقط، كما تقرّر مسار بحث ما، بالتعاون مع مختلف الأقسام المشاركة فيه. فقط ضمن هذا الإطار، يمكن لأولئك الأفراد إحداث المعرفة التي تحتاج إلى هذه «البنية التحتية الاجتماعية - التقنية»، كما يقترح الكاتب/المترجم في المقدمة.
ما قيل عن البحث ينطبق على التعليم أيضاً. هو يحتاج بدوره إلى «بنية تحتية اجتماعية - تقنية». في معظم الأحيان، لا يلتحق الطلاب بالجامعات وفي ذهنهم أجندة محددة لما ينوون تعلمه. فالتعليم الفعال يفتح أبواب المعرفة الواسعة ويمنحهم حق مساءلة الآراء السائدة، وتحدي ما كان يعدّ من البديهيات. التعليم لا يعني نقل المعرفة وإنما ترجمتها وتأويلها. نقل المعرفة يعني أن المصدر ـ أي الأستاذ ـ يرسل إشارة إلى المتلقي، أي الطالب، الذي يعيد إرسال ما تلقاه عبر الاختبارات، ليوضح أنه استوعب الإشارة. لكن مجاز الترجمة يقتضي أن يقوم المتلقي بترجمة الإشارة للدلالة على فهمها، ضمن طرق متعددة، أي أن المرسل والمتلقي يكونان جزءاً من مجتمع، والنتيجة النهائية تكون أنّ كافة الأطراف قد تعلمت.
ما يحصل حالياً أن الضغوط المادية دفعت بمؤسسات علمية كثيرة إلى فتح دورات التعليم المفتوح. لكن التعليم ـ بحسب المترجم ـ يتطلب كافة مكونات «البنية التحتية الاجتماعية - التقنية»، أي صفوف دراسة ولوحات والطباشير والأقلام والأوراق وأجهزة التعليم الكهربائية المسموعة والمرئية والطلاب والمعلمون والإدارة. كما أنّ التعليم يتطلب التفاعل بين المتعلمين والمجتمع، مثلاً: النشرات الخاصة للفلاحين والزيارات العلمية خارج حرم الجامعة ودورات خاصة استثنائية. المقصود هو تحويل «البنية التحتية الاجتماعية-التقنية» إلى شكل مفيد للمجتمع.


وضع إنتاج المعرفة في خدمة السوق والمسيطر عليها


المجتمعات تصمّم بناها التحتية وتعيد تصميمها بهدف إنتاج المعرفة وإعادة إنتاج المعرفة. فالبنى التحتية أقيمت من أجل الوصول إلى أهداف محددة. عندما يتم توجيه دعم مالي لفروع إنتاج معرفة محددة وإهمال أخرى، كما حاولت الحكومة اليابانية أخيراً، بوقف مناهج العلوم الإنسانية من الجامعات الحكومية، يكون السبب تحقيق أرباح قصوى، أو تحويل المعرفة وإنتاجها إلى خادم للممول أو الداعم لهذه المؤسسة العالمية أو تلك، أي في خدمة السوق والمسيطر عليها. هذا حصل ـ دوماً وفق الكاتب ـ في دول عدة متباينة البنى مثل فرنسا والولايات المتحدة والصين والعراق وتشيلي.
من التغييرات التي أدخلتها تلك الدول نقل كلفة التعليم من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وإلى الطلاب، وبالتالي تحويل تعريف التعليم العالي إلى البحث عن الوظيفة التي توفّر أعلى مدخول، وتحيل البحث العلمي إلى منافسات فردية ومأسسة التنافس بين المؤسسات التعليمية بهدف الحصول على الدعم وزيادة معاشات الإداريين.
يناقش الكاتب التحول النيوليبرالي في إنتاج المعرفة، سابقة الذكر، ضمن مجموعة فصول هي:
سُوق المعرفة، الليبراليات والنيوليبراليات، ما بعد النيوليبراليات، الإدارة، التعليم، البحث، التفاعل الأهلي والامتداد، العواقب.
بعدها، ينتقل إلى مناقشة إمكانية التعامل مع الأزمات الناتجة في كل من الفروع السابقة ويطرح تصوراته لكيفية تغيير الأوضاع القائمة.
يتناول الكاتب نتائج التغييرات الحاصلة في كيفية تحصيل المعرفة، أي التغييرات الإدارية والتعليمية والبحث والتفاعل المجتمعي. يقول إن ما يسمى عمليات إعادة التركيب (reform) التي أدخلت لتغيير عملية اكتساب المعرفة ــ كما ذكرنا في مطلع العرض ــ تعني تهديداً حقيقياً لدور الجامعات، بل حتى لوجودها أصلاً.
من التغييرات التي أشار إليها الكاتب/ المترجم، وهو أستاذ السوسيولجيا في جامعة «متشغن» الحكومية، أن الجامعات تحولت إلى مراكز لحفظ الحقائق المزعومة بدلاً من تشجيع التقصي والإبداع والفضول العلمي الأكاديمي. هذا يعني أن الطالب الذي أنيطت به مهمة تنفيذ مهمة محددة، لم يعد بمقدوره مواجهة أي تغييرات طارئة والتطورات التقنية والاضطرابات السياسية المحتملة.
يضاف إلى ذلك أن الأهداف الاقتصادية الملحة هي التي تهيمن على الأبحاث بدلاً من مساءلة جدوى البحث المحدد وإن كان يخدم فهمنا للعالم، وفوائده المستقبلية.
مسألة هيمنة المؤسسات الاقتصادية الخاصة على الأبحاث، وعلى نحو محدد في المجالات الزراعية والغذائية والدوائية التي أضحت تسيطر على أكثر من نصف الأبحاث في دول منظمة التعاون والتطوير الاقتصادي (OECD) موضوع مصيري وجب التفرغ لبحث تأثيراته.
إضافة إلى ما سبق، ينوه الكاتب إلى أن الهيمنة النيوليبرالية على المؤسسات البحثية والتعليمية، أي وضعها في خدمة الربح، يعني بالضرورة إعاقة البحث الإبداعي، وتحويل الجامعات إلى أدوات النمو الاقتصادي.
ختاماً، يؤكد الكاتب على أن كافة عمليات تحويل التعليم العالي والبحث النيوليبرالية قد أخفقت ولم توصل إلى فعالية أفضل، ولم تقد إلى حرية بحث أوسع، بل إلى القضاء على حريات البحث والإبداع.
مؤلف مثير مهم لنا أيضاً حيث تتم عملية تطبيق الأنموذج النيوليبرالي في كثير من مؤسساتنا التعليمية التي تحولت إلى الخصخصة، آخذين في الاعتبار كثرة أعداد الطلاب العرب الدارسين في الجامعات الغربية.